ثمّ لمّا أمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بترك سؤال الأجر على تبليغ القرآن ، وأخبر بأنّه نزل من اللّه تذكرة لجميع النّاس ، وكان المشركون وأهل الكتاب منكرين لرسالته وكتابه ، قائلين له : ما نزّل اللّه عليك كتابا ودينا ، ردّهم اللّه تعالى بقوله :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
وما عرفوه حقّ معرفته .
في وجوب ارسال الرسول وانزال الكتاب على اللّه تعالى عقلا
وعن ابن عبّاس : ما عظّموه حقّ تعظيمه « 1 » ، حيث إنّهم طعنوا في حكمته ولطفه ، وحسبوه لاعبا عابثا بخلقه العالم
إِذْ قالُوا
إنكارا لرسالتك وكتابك ، وكفرانا لأعظم نعمائه عليهم :
ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ
من الوحي والكتاب ، مع وضوح أنّه مناف لحكمته البالغة وتنزّهه من العبث ، فإنّه لا حكمة في خلق العالم إلّا تكميل النّفوس البشريّة ، وفعليّة استعداداتهم للفيوضات الأبديّة بسبب كمال معرفتهم ، وصلاح أخلاقهم ، وحسن أعمالهم ، وذلك لا يتم إلّا ببعث الرّسول ، وإنزال الكتاب ، وجعل القوانين والأحكام والثّواب والعقاب والوعظ والتّذكير ، فالاعتراف بحكمته تعالى ملازم للاعتراف بجميع ذلك .
روي أنّ مالك بن الصّيف من أحبار اليهود ورؤسائهم ، خرج مع نفر إلى مكّة معاندين ، ليسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « عن أشياء ، وكان رجلا سمينا ، فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بمكّة فقال [ له ] صلّى اللّه عليه وآله : أنشدك بالذي أنزل التّوراة على موسى ، هل تجد فيها أنّ اللّه يبغض الحبر السّمين ؟ » قال : نعم . قال : « فأنت الحبر السّمين ، وقد سمنت من مكأكلتك « 2 » التي تطعمك اليهود ولست تصوم » « 3 » . فضحك القوم ، فخجل مالك بن الصّيف ، فقال « 4 » : ما أنزل اللّه على بشر من شيء ، فلمّا رجع مالك إلى قومه قالوا له :
[ ويلك ، ما هذا الذي بلغنا عنك ، أليس أن اللّه أنزل التّوراة على موسى ، فلم قلت ما قلت ؟ قال :
أغضبني محمّد ، فقلت ذلك ، قالوا له : ] وأنت إذا غضبت تقول على اللّه غير الحقّ وتترك دينك ، فأخذوا الرّئاسة والحبريّة منه . وجعلوهما إلى كعب بن الأشرف . فنزلت هذه الآية « 5 » .
وأمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بتبكيتهم ونقض قولهم بقوله :
قُلْ
يا محمّد لهم :
مَنْ أَنْزَلَ
من السّماء
الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى
حال كون ذلك الكتاب
نُوراً
وظاهرا بنفسه ، أو مظهرا لما خفي من العلوم والمعارف
وَهُدىً
ورشادا
لِلنَّاسِ
إلى طريق الفلاح ومقام القرب من اللّه ، أو إلى
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 13 : 72 .
( 2 ) . المأكلة : ما يؤكل ، والطّعمة والمرتزق .
( 3 ) . زاد في تفسير روح البيان : أي تمسك .
( 4 ) . زاد في تفسير روح البيان : غضبا .
( 5 ) . تفسير روح البيان 3 : 63 .