تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 612

مساهمون:

ص٦١٢
حنّة بنت فاقوذ
امْرَأَتُ عِمْرانَ
ابن ماثان ، امّ مريم . في قضية ولادة مريم وعيسى عن عكرمة : أنّها كانت عاقرا لا تلد ، وكانت تغبط النّساء بالأولاد « 1 » . وعن محمّد بن إسحاق : أنّها ما كان يحصل لها ولد حتّى شاخت ، وكانت يوما في ظلّ شجرة فرأت طائرا يطعم فرخا له ، فتحرّكت نفسها للولد ، فدعت ربّها أن يهب لها ولدا ، فحملت بمريم ، وهلك عمران ، فلمّا عرفت حملها جعلته للّه بقولها :
رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي
من الولد
مُحَرَّراً
وعاهدتك أن أجعله خادما للمسجد ، أو لمن يدرس الكتاب ، أو مخلصا للعبادة ، أو عتيقا من أمر الدّنيا لطاعة اللّه . قيل : كان الأمر في دين بني إسرائيل أنّ الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه ، كان يجب عليه خدمة الأبوين ، فكانوا بالنّذر يتركون ذلك النّوع من الانتفاع ، ويجعلونه محرّرا لخدمة المسجد ، وطاعة اللّه . « 2 » وقيل : كان المحرّر يجعل في الكنيسة ، يقوم بخدمتها حتّى يبلغ الحلم ، ثمّ يخيّر بين الذّهاب والمقام ، فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب ، وإن اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار . ولم يكن نبيّ إلّا ومن نسله محرّر في بيت المقدس ، ولم يكن التّحرير جائزا إلّا في الغلمان . « 3 » قيل : إنّ تحرير حنّة كان بإلهام اللّه « 4 » ثمّ أنّها لإظهار أنّ هذا النّذر كان لطلب مرضاة اللّه وتقرّبا إليه ، قالت :
فَتَقَبَّلْ
هذا التّحرير ، وتلقّه
مِنِّي
بالرّضا
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
لدعائي
الْعَلِيمُ
بخلوص نيّتي وحقيقة ضراعتي ، وفي تخصيص الوصفين به تعالى إظهار لقوّة يقينها ، وإشعار باختصاص دعائها به تعالى ، وانقطاع رجائها من غيره . ثمّ أنّه كان في ظنّها أنّ النّسمة التي في بطنها غلام
فَلَمَّا وَضَعَتْها
ورأت أنّها أنثى ، ولم تكن الجارية صالحة للتّحرير ؛ لخدمة المسجد ، وملازمته ، لما يصيبها من الحيض والأذى
قالَتْ
تحزّنا وتحسّرا على خيبة رجائها
رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها
حال كونها
أُنْثى .
ثمّ لمّا كانت جاهلة بقدرها وشأنها ، قال سبحانه تعظيما لها وإظهارا لجلالتها :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
من غيره
بِما وَضَعَتْ
حنّة ، وبما علق بها من عظائم الأمور . وقرئ ( وضعت ) على الخطاب ، والمعنى أنّك لا تعلمين قدر هذه الموهوبة ، ومالها من علوّ الشأن
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 25 . ( 2 ) . تفسير الرازي 8 : 25 . ( 3 ) . تفسير الرازي 8 : 25 . ( 4 ) . تفسير الرازي 8 : 25 .