وأستدلّ بعض العامّة به على أنّ العبادة لا تحبط « 1 » . وفيه : أنّ إيفاء جزاء المعصية يكون بحبط ثواب العبادة ، كما أنّ إيفاء ثواب العبادة يكون بالعفو عن عقوبة المعصية .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 26 إلى 27 ]
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 26 ) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 27 )
ثمّ - لمّا كان من أباطيل اليهود قولهم : بأنّه لا بدّ أن تكون النّبوّة والملك فيهم ، وأنّهم أحقّ بهما لكونهم من بيوت الأنبياء ، ومن أهل العلم والكتاب ، ولا يجوز أن يكونا في العرب لكونهم أمّيّين - أمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بأن يثنيه بالقدرة الكاملة والفضل الشّامل الدّالّين على بطلان قولهم ، بقوله :
قُلِ
يا محمّد
اللَّهُمَّ
يا
مالِكَ الْمُلْكِ
ملكا حقيقيا إشراقيّا ويا سلطان عالم الوجود ، لا شريك لك فيه ولا معادل ، تتصرّف فيه كيف تشاء ، إيجادا وإعداما وإحياء وإماتة وفضلا ومنعا وتعذيبا وإثابة ، وتدبّره كيف تريد ؛ ومن تدبيرك وسلطانك أنّك
تُؤْتِي
وتهب
الْمُلْكِ
والسّلطنة أو النّبوّة
مَنْ تَشاءُ
أن تملّكه وتشرّفه بفضلك
وَتَنْزِعُ
وتسلب
الْمُلْكِ
والسّلطنة الدّنيويّة والدّينيّة ، وهي النبوة
مِمَّنْ تَشاءُ
أن تنزعها عنه ، وتنقلها إلى قوم آخرين . وفيه إشعار بأنّ السّلطنة الحقيقيّة مختصّة به تعالى ، وسلطنة غيره بطريق المجاز .
وَتُعِزُّ
في الدّنيا ، أو في الآخرة ، أو فيهما
مَنْ تَشاءُ
أن تعزّه في الدّنيا بمنصب النّبوّة ، والمطاعية المطلقة ، والفضائل الكريمة ، والهداية والتّوفيق ، والنصر والغلبة ، وفي الآخرة بالجنّة العالية ، والمقامات الرّفيعة ، والنّعم الدّائمة
وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ
ذلّة في الدّنيا ، أو في الآخرة ، أو فيهما ، بالخذلان والبعد عن الرّحمة ، والكفر والضّلال والأخلاق الرّذيلة ، والفقر والمسكنة واللّعنة الدّائمة
بِيَدِكَ
وقدرتك خاصّة دون غيرك
الْخَيْرُ
كلّه ، قبضا وبسطا ، على حسب مشيّئتك وحكمتك ، وعلى ما تقتضيه قابليّة القوابل ، واستعداد الممكنات .
وإنّما خصّ الخير بالذّكر - مع أنّ جميع الأمور بيده حتّى الشّرّ - لكون الكلام في ما يسوقه سبحانه
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 7 : 219 - 220 .