السّمّ ، فكيف يلتذّ المؤمن بلذائذ الدّنيا ، ويشتاق إليها ، وهو يعلم أنّه مفارقها ، وتبقى عليه تبعاتها ؟ التي أقلّها أن يقال له في الآخرة :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها
« 1 » .
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
والمرجع من الجنّة ونعمها الباقية .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 15 ]
قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 15 )
ثمّ بعد الإشارة الإجماليّة إلى فضيلة نعم الآخرة على نعم الدّنيا ، ذكر سبحانه أصول نعم الآخرة تفصيلا بقوله :
قُلْ
يا محمّد ، لامّتك :
أَ أُنَبِّئُكُمْ
وهل أخبركم
بِخَيْرٍ
وأحسن
مِنْ ذلِكُمْ
المشتهيات الدّنيويّة ؟
ثمّ لمّا كان السّؤال مقتضيا للجواب ، فكأنّه قيل في الجواب : نعم أنبئنا وأخبرنا ، فقال :
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
اللّه ، وخافوا عقابه في مخالفة أحكامه وعصيان تكاليفه ، وأعرضوا من الدّنيا ، وأقبلوا إلى الآخرة
عِنْدَ رَبِّهِمْ
اللّطيف بهم تفضّلا منه عليهم
جَنَّاتٌ
متعدّده لكلّ واحد منهم . وقيل : إنّ التعدّد بلحاظ تعدّد الأشخاص .
ثمّ وصف نضارتها بأن لها أشجارا
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
الكثيرة ، أو الأربعة المعهودة ، حال كونهم
خالِدِينَ
ومقيمين
فِيها
أبدا ، غير خائفين من الخروج منها ، وزوال نعمها .
عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « شبر من الجنّة خير من الدّنيا وما فيها » « 2 » .
ثمّ لمّا كان من تمام النّعمة الزّوجة الصّالحة الموافقة الأنيسة ، بشّر اللّه المؤمنين بها بقوله :
وَ
لهم
أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ
منزّهة ، طهّرهنّ اللّه من دنس الحيض والنّفاس والكثافات « 3 » الجسمانيّة ، ونزّههنّ من العيوب والأخلاق السّيّئة ؛ كالحسد والغضب والطمع والنّظر إلى غير أزواجهنّ .
ثمّ بشّرهم بعد النّعم الجسمانيّة بأعلى النّعم الرّوحانيّة بقوله :
وَرِضْوانٌ
عظيم لا يوصف ببيان ، كائن
مِنَ اللَّهِ
من تجلّي أنوار جلاله تعالى ، الذي هو أقصى الآمال ، وأعلى الحظوظ ، ومنتهى الكرامة للمؤمن
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ
المتّقين ، فيثيبهم على حسب درجاتهم ، ويجازيهم على قدر زهدهم في الدّنيا ، وإقبالهم إلى اللّه ، وقيامهم بوظائف العبوديّة .
هامش
( 1 ) . الأحقاف : 46 / 20 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 2 : 10 .
( 3 ) . يريد بها الأوساخ .