تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
الذي هو خالق سائر الموجودات ، فهو بقدرته يسيّرها وبحكمته يحرّكها إلى المغرب . فإن كنت تدّعي الالوهيّة الملازمة للقدرة الكاملة
فَأْتِ
وسيّر
بِها مِنَ الْمَغْرِبِ
إلى المشرق .
فَبُهِتَ
وتحيّر الملك
الَّذِي كَفَرَ
في الجواب ، وصار كالمدهوش ، لم يجد للردّ مقالا ، وللمعارضة مجالا ؛ لبداهة أنّه ليس للبشر التصرّف في الفلكيّات ، سيّما مثل هذا التّصرّف
وَاللَّهُ لا يَهْدِي
ولا يوفّق للرّشد إلى صراط الحقّ وطريق الجنّة
الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
على أنفسهم باختيار الكفر والضّلال ؛ لخبث طينتهم ، وسوء سريرتهم ، فاستحقّوا الخذلان والنّكال . قصّة النبي الذي مرّ على قرية ثمّ أنّه تعالى - بعد إقامة البرهان على التّوحيد ؛ بذكر محاجّة إبراهيم عليه السّلام - أخذ في إقامة البرهان على إمكان المعاد بذكر قصّة متضمّنة لوقوع نظيره الذي هو أقوى البراهين على إمكانه ، بقوله :
أَوْ
رأيت ك النبيّ الذي
مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ
بيت المقدس . وهل اطلّعت على لطف ربّك بأحد مثل لطفه بذلك النبيّ ؟ حيث إنّ اللّه هداه إلى المعرفة الكاملة بالمعاد ، وكيفيّة البعث وإحياء الرّمم ، حتى بلغ من مرتبة علم اليقين إلى درجة عين اليقين ، وذلك من شؤون ولايته للمؤمنين . روي أنّ بني إسرائيل لمّا بالغوا في تعاطي الفساد سلّط اللّه عليهم بخت نصّر ، فسار إليهم في ستّمائة ألف راية ، حتّى وطئ الشّام ، وخرّب بيت المقدس ، وجعل بني إسرائيل أثلاثا : ثلثا منهم قتلهم ، وثلثا منهم أقرّهم بالشّام ، وثلثا منهم سباهم . وكانوا مائة ألف غلام يافع وغير يافع ، فقسّمهم بين الملوك الّذين كانوا معه ، فأصاب كلّ ملك منهم أربعة غلمة ، وكان عزير من جملتهم « 1 » . وعن ابن عبّاس : أنّه كان من علمائهم « 2 » ، وجاء بهم إلى بابل ، فلمّا نجّاه اللّه منهم بعد حين مرّ بحماره على بلدة بيت المقدّس ، فرآها
وَهِيَ خاوِيَةٌ
وساقطة بحيطانها
عَلى عُرُوشِها
وسقوفها ، خالية من أهلها . فلمّا رأى العزير الأجساد البالية
قالَ
- استعظاما لقدرة اللّه ، واعترافا بقصور فهمه عن كيفيّة الإحياء ، أو تلهّفا على القرية وأهلها ، وتشوقا إلى عمارتها مع استشعار اليأس عنها ، لا شكّا وإنكارا - :
أَنَّى يُحْيِي هذِهِ
العظام ، أو هذه القرية ، وكيف يبعثها
اللَّهُ
أو يعمّرها
بَعْدَ مَوْتِها
وبلائها ، أو بعد خرابها وعفو آثارها . عن ابن عبّاس رحمه اللّه : أنّ عزيرا دخل يوما تلك القرية ، ونزل تحت شجرة وهو على حمار ، فربط
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 1 : 412 . ( 2 ) . تفسير الرازي 7 : 31 .