ثمّ أنّه تعالى بعد ما قرّر توحيد ذاته المقدّسة بالدلائل القاهرة والبراهين الظاهرة ، أردفه بتقبيح الشّرك الذي هو ضدّ التّوحيد ، بقوله :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ
ويختار
مِنْ دُونِ اللَّهِ
وممّا سواه من الأصنام ورؤساء الضّلال والمطاعين الذين لم ينصّبهم اللّه للطّاعة والاتّباع
أَنْداداً
وأمثالا له في الألوهيّة ، وشركاء له في العبادة والطّاعة ، حال كون المتّخذين للأنداد
يُحِبُّونَهُمْ
حبّا كائنا
كَحُبِّ اللَّهِ
ويسوّون بينهم وبينه في التّعظيم والطّاعة ، بل يتّبعونهم فيما خالف رضاه .
عن ( الكافي ) و ( العياشي ) : عن الصادق « 1 » عليه السّلام : « هم واللّه أولياء فلان وفلان [ وفلان ] ، اتّخذوهم أئمّة [ من ] دون الإمام الذي جعله اللّه للنّاس اماما » « 2 » الخبر .
وعن بعض العرفاء : كلّ شيء شغف « 3 » قلبك به سوى اللّه تعالى فقد جعلته ندّا له « 4 » .
وَالَّذِينَ آمَنُوا
وفي رواية : هم آل محمّد صلّى اللّه عليه وآله « 5 »
أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
من هؤلاء المشركين حيث إنّهم بمعرفتهم عظمة الرّبوبيّة لا يميلون إلى غيره ، ولا يتوجّهون إلى ما سواه ، بخلاف المشركين الذين يعدلون بهوى أنفسهم من صنم إلى صنم .
عن ابن عبّاس : أن المشركين كانوا يعبدون صنما ، فإذا رأوا صنما « 6 » أحسن منه تركوا ذلك وأقبلوا إلى عبادة الأحسن ، انتهى « 7 » .
وبخلاف أتباع رؤساء الضلالة وأئمّة الكفر فانّهم يميلون مع كلّ ريح ، ويتّبعون كلّ ناعق .
روي أنّه جاء أعرابي إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فقال : يا رسول اللّه ، متى السّاعة ؟ فقال صلّى اللّه عليه وآله : « ما أعددت لها ؟ » فقال : ما أعددت كثير صلوات ولا صيام ، إلّا أنّي أحبّ اللّه ورسوله . فقال صلّى اللّه عليه وآله : « المرء مع من أحبّ » .
فقال أنس : فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك « 8 » .
وروي أنّ عيسى عليه السّلام مرّ بثلاثة نفر وقد نحلت أبدانهم وتغيّرت ألوانهم ، فقال لهم : ما الذي بلغ بكم
هامش
( 1 ) . في الكافي : عن الباقر .
( 2 ) . الكافي 1 : 306 / 11 ، تفسير العياشي 1 : 173 / 248 .
( 3 ) . في تفسير الرازي وتفسير روح البيان : شغلت .
( 4 ) . تفسير الرازي 4 : 204 ، تفسير روح البيان 1 : 391 .
( 5 ) . تفسير العياشي 1 : 174 / 249 ، تفسير الصافي 1 : 191 .
( 6 ) . في تفسير الرازي : شيئا .
( 7 ) . تفسير الرازي 4 : 208 .
( 8 ) . تفسير الرازي 4 : 205 .