تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
الأباطيل ، وكتمان شهادته ، فيعاقبكم عليها أشدّ العقاب ، فكونوا منه على حذر ووجل في جميع الآنات « 1 » والحالات ، ولا تغترّوا بصالح أعمال آبائكم الأنبياء وحسن سيرتهم ، فإنّ
تِلْكَ
الآباء الكرام
أُمَّةٌ
وجماعة صلحاء
قَدْ خَلَتْ
ومضت من الدنيا ، يكون
لَها ما كَسَبَتْ
من نفع أعمالها والثّواب الموعود عليها
وَ
يكون
لَكُمْ
في الآخرة
ما كَسَبْتُمْ
من منافع أعمالكم وأجرها وتبعاتها ، فلا نصيب لكم من ثواب أعمالهم بشيء ، كما لا ضرر عليكم من سيّئاتهم إن كانت لهم
وَلا تُسْئَلُونَ
في القيامة
عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
في مدّة أعمارهم في الدنيا . وحاصل الاحتجاج أنّكم يا أهل الكتاب بأيّ حجّة تتمسّكون على دعوى أولويّتكم بفضل اللّه وكرامته منّا ! فإن تتمسّكوا بأنّكم موحّدون فقد كذبتم ، لبداهة أنّنا موحّدون دونكم ، وإن تتمسّكوا بأنكم أتباع دين إبراهيم عليه السّلام وسائر الأنبياء والصّلحاء بعده فنحن المتّبعون لهم دونكم ، وإن تتمسّكوا بانتسابكم إليهم فليس النّسب موجبا للكرامة عند اللّه ، ونافعا في القيامة ، كما قال تعالى :
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ
« 2 » . حكاية هارون وبهلول حكي أنّ هارون الرّشيد لمّا انصرف من الحجّ ، أقام بالكوفة أيّاما ، فلمّا خرج وقف بهلول على طريقه وناداه بأعلى صوته : يا هارون - ثلاثا - فقال هارون تعجّبا : من الذي يناديني ؟ فقيل له : بهلول المجنون . فوقف هارون وأمر برفع السّتر - وكان يكلّم النّاس من وراء السّتر - فقال له : ألم تعرفني ؟ قال : بلى أعرفك . فقال : من أنا ؟ قال : أنت الذي لو ظلم أحد في المشرق وأنت في المغرب سألك اللّه عن ذلك في القيامة . فبكى هارون وقال : كيف ترى حالي ؟ قال : اعرضه على كتاب اللّه ، وهي :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
« 3 » . قال : وأين أعمالنا ؟ قال :
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
« 4 » قال : وأين قرابتنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ؟ قال :
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ
« 5 » .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 142 ]

سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142 )
هامش
( 1 ) . كذا ، والظاهر الآناء . ( 2 ) . المؤمنون : 23 / 101 . ( 3 ) . الانفطار : 82 / 13 و 14 . ( 4 ) . المائدة : 5 / 27 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 1 : 245 .