نفوسهم من آيات نبوّة موسى وعيسى عليهما السّلام في نفوس أتباعهما .
مع أنّ القرآن العظيم أوجد في نفوس العرب آثارا لم توجدها « 1 » معجزات سائر الأنبياء ، حيث إنّه أخرجهم بسماعه من ظلمات الجهالة وغمرات الضلالة ، بعد تماديهم فيها وتمرّنهم عليها ، إلى نور الهداية وأوج الحكمة ، وصيّرهم بعد أمّيّتهم علماء حكماء ، بل كادوا أن يكونوا من الحكمة والمعرفة أنبياء ، وبلغوا من العلم إلى أن صاروا بعد وحشيّتهم أساتيذ الأمم ، وسادة العجم .
انظر إلى حواريّي عيسى مع كونهم أكمل من آمن به ، وأعلم بما جاء به ، قالوا :
يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ
« 2 » وأطفال أمّة نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله في زمانه كانوا يقولون : إنّ اللّه على كلّ شيء قدير ، ولا يعجز اللّه شيء في الأرض ولا في السّماء .
والحاصل أنّ العاقل المتأمّل في آيات « 3 » القرآن المجيد ، لا يرتاب في أنّها كلام اللّه ، وأنّها أعظم المعجزات ، وقد أفرد جمع كثير من علماء الاسلام إعجاز القرآن بالتصنيف ، ومع ذلك حاروا في كشف حجب البيان عن وجوه إعجازه بعد أن ثبتت عندهم بالوجدان والبرهان .
فالمنصف يرى القرآن في الهداية والبيان كالروح في الجسد ، يعرف بمظاهره وآثاره ، ويعجز العارفون عن بيان حقيقته وكنهه . فإنّ قريشا « 4 » كانت أفصح العرب لسانا ، وأعذبهم بيانا ، وأخلصهم لغة ، وأرفعهم عن الرداءة لهجة ، ومع ذلك كان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يحتجّ عليهم بالقرآن صباحا ومساء ، ويحثّهم على أن يعارضوه بسورة واحدة أو بآيات يسيرة ، فكلّما ازداد تحدّيا لهم بها وتقريعا عليهم ، كشف عجزهم عن نقصهم ما كان مستورا « 5 » ، وظهر منهم ما كان خفيا ، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجّة ، قالوا : أنت تعرف أخبار الأمم ، ولذا تقدر على ما نعجز عنه ، فقال : جيئوا بها مفتريات ، ولذا لم يأت بمثله أريب عن معارضة ، ولم يبرم ذلك خطيب ، ولا طمع فيه شاعر ، ولا تكلّفه طبع فصيح ماهر ، ولو تكلّفه لظهر ذلك ، فدلّ ذلك على عجز القوم عن معارضته مع كثرة كلامهم ، وسهولة ذلك عليهم ، وكثرة شعرائهم ، وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء أتباعه .
ومن الواضح أنّهم لو جاءوا بسورة واحدة أو آيات يسيرة بدل الهجاء ومعارضة الشعراء ، لكان
هامش
( 1 ) . في النسخة : يوجدها .
( 2 ) . المائدة : 5 / 112 .
( 3 ) . في النسخة : الآيات .
( 4 ) . في النسخة : القريش .
( 5 ) . كذا ، ولا تخلو العبارة من اضطراب . ولعلّها : كشف عجزهم ما كان مستورا من نقصهم .