ولقد أمره سبحانه أن يسألهم سؤالا ثالثا :
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 88 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ
( 89 ) الملكوت صيغة مبالغة تفيد الملك الممكن الذي لا سلطان إلا له ، فالواو والتاء للمبالغة ، كجبروت ، ورهبوت ورحموت ، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ، و
مَنْ بِيَدِهِ ،
أي من له السلطان والملك الكامل لأقصى أنواع الملك ، وهو يقبضه كما يقبض صاحب الصولجان « 1 » .
وقد صور اللّه سبحانه وتعالى اتساع سلطانه ، وفرضه على كل إنسان وكل شئ بذى قوة يضم إلى جواره من يشاء ، ويمنعه من أن تصل إليه يد معتدية ، لا يمكن أن يكون لأحد جوار يمنعه سبحانه من أن ينزل من الهلاك ما شاء لمن شاء ؛ لأنه فوق العالمين لا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون :
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ،
وأتى ب ( إن ) ؛ لأن حالهم من الشرك تدل على أنهم لا يعلمون ،
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ
التعدية باللام لتضمن السؤال معنى الملك والسلطان ، أي أن الملكوت كله للّه تعالى .
أمر اللّه تعالى نبيه بقوله :
قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ
( الفاء ) أيضا لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي يترتب على علمهم بأن اللّه تعالى خالق الأرض ، ومن فيها والسماوات السبع ، وربوبيته للعرش ولها ، وكونه صاحب السلطان الأعظم يترتب على كل هذا أن يسألوا كيف يسحرون ، أي ينخدعون ويميلون عن الحق الراكز في نفوسهم إلى الباطل الذي هو أوهام مخيلة ، وليس حقائق ثابتة معلومة لكل ذي فكر وعقل وإدراك ، و ( أنى ) هنا بمعنى كيف ، ك « أنى » في قوله تعالى :
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . . .
( 223 ) [ البقرة ] .
فهذه الآيات تبين كيف تسيطر الأوهام على ذوى الأهواء الذين لا يفكرون ، وتقاوم الحقائق الثابتة لديهم ، ونسيرهم مع مخالفتها لكل معقول ، ولما كان عندهم من علم سابق ، ولقد قال تعالى :
هامش
( 1 ) الصولجان : فارسي معرّب ، وهو المحجن أي العود المعوج . الذي نراه في أيدي العظماء والملوك لسان العرب « بتصرف » ( صلج ) .