أوحى اللّه تعالى إلى نوح أن يصنع الفلك لينجو فيه من أراد اللّه تعالى نجاته وهم الذين آمنوا وأهل نوح الذين لم يكفروا ، أن تفسيرية ، لمعنى الإيحاء الذي أوحى به إلى نوح عليه السلام ، فقوله :
اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا
، أي اصنع الفلك برعايتنا ورقابتنا ، كمن يكون تحت العين والبصر ، ولا يعد ذلك تأويلا ، بل إنه ظاهر اللفظ ، من غير تأويل ، فلا حاجة إلى ما قيل إن هذا تأويل كقول الخلف ، ولا إلى القول بأن للّه عينا ليست كأعيننا ، كما يدّعى أنه قول السلف ( راجع في هذا رسالة الغزالي : إلجام العوام عن علم الكلام ) .
أي أن صناعة الفلك كانت برقابة اللّه - تعالى - ورعايته ووحيه في البناء والتصرفات ،
وَفارَ التَّنُّورُ
الفرن الذي يخبز فيه الخبز ، والتعبير عن سبب سير السفينة الذي يقترن بسيرها بقوله تعالى :
وَفارَ التَّنُّورُ
فيه ما يشير إلى أنها كانت تسير ببخار الماء ، وقد أشرنا إلى هذا المعنى في سورة هود .
فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ
، أي أدخل فيها من كل صنفين زوجين ذكر وأنثى ، واسلك بمعنى أدخل هي في اللغة ، ومن ذلك قوله تعالى :
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ
( 42 ) [ المدثر ] ، أي ما أدخلكم فيها ، وقال تعالى :
وَأَهْلَكَ
، أي أدخل أهلك إلا من سبق عليه القول بهلاكهم لأنهم كافرون ، وقد خاطبه نوح في شأن ابنه كما جاء في سورة هود إذ قال نوح - عليه السلام - إشفاقا على ابنه :
إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي . . .
( 45 ) [ هود ] ، فقال اللّه تعالى له :
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ . . .
( 46 ) [ هود ] . وقوله :
مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ
وهو الحكم عليهم بالهلاك ، ولذا تعدى بعلى
وقد التفت اللّه تعالى حكمه ، من بعد ذلك إلى نوح ومن معه مذكرا لهم بعد أن أغرق الكافرين ، فقال مخاطبا نوحا :
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
( 28 ) .
استويت ، أي تمكنت واقتعدت أنت ومن معك مقاعدكم ،
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
، وإن ذلك يدل على أن قوم نوح قد ساوروه بالأذى وإرادة