الأمر الثالث - أنه قال :
وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً
وذلك أدب الاتباع ، فالاتباع يقتضى الطاعة ، والصحبة تقتضى عدم المنافرة والمخالفة .
أخذ العبد الصالح يبين حدود الصبر ، وأنه صبر على الامتناع عن السؤال عن سبب الفعل مع غرابة الفعل في ذاته ، وهذه طاقة عالية في الصبر ، فإن العقل طلعة يريد تعرف سبب كل واقع ، وسر كل مجهول ، فقال :
قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً
( 70 ) .
قال العبد الصالح لموسى وقد وعده بالصبر ، والفاء للإفصاح عن الاتباع المشروط بالصبر ، أي إن صبرت فاتبعتنى فمقتضى ذلك ألا تسألني عن شئ تستغربه ،
حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً
لعلته ، أي لا تسألني حتى أبادئك بالبيان ، وذلك من مقتضيات الصبر ، ومن آداب المتعلم أمام المعلم ، والتابع للمتبوع لا يبادره حتى يبين هو ما عنده ، والتعبير بالذكر يشير إلى أن ما يخبر به من بعد هو تذكير بقدرة اللّه تعالى .
بعد هذه المواثيق بين موسى كليم اللّه تعالى والعبد الصالح عليهما السلام أخذا في السير ؛ ولذا قال تعالى :
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً
( 71 ) .
( الفاء ) في
فَانْطَلَقا
للترتيب والتعقيب ، أي أنهما عقب أخذ هذه المواثيق ، انطلقا فور ذلك الاتفاق ، والتعبير ب ( انطلقا ) يومئ إلى أن كليهما فرح بهذه الصحبة وسارا ما شاء اللّه أن يسيرا إلى أن وجدا سفينة ، وكان السير على سيف البحر ،
حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها
، أي أنه خرقها وقت أن ركبها ، وفي الصحيحين أنهما لم يدفعا أجرا ، وخلع لوحا منها ، لم يدرك موسى عليه السّلام الذي أوتى علم المباح والممنوع ، ولم يعط من علم الغيب شيئا ، لم يدرك ، فقال :
أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً
اللام في
لِتُغْرِقَ أَهْلَها
لام العاقبة ،