مفعول لأجله ، أي يبخع نفسه هما وحزنا إن لم يؤمنوا ، كقوله تعالى :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
( 3 ) [ الشعراء ] والأسف هو الهم الشديد الذي لا يذهب ، بل يبقى كقوله :
. . . غَضْبانَ أَسِفاً . . .
( 150 ) [ الأعراف ] ، أي مهموما هما يسكن في القلب ولا يكون كالغضب يعرض ثم يزول ، كالزوبعة تثور ثم تهدأ ، أما الأسف والهم فيبقى .
بعد ذلك بين سبحانه أن الإنسان يرى في هذه الدنيا العبر ، وعجائب الوجود ولكن لا يعتبر ؛ ولذا قال تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ( 7 ) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً
( 8 ) .
بعد ذلك ذكر سبحانه وتعالى عذاب القلوب وروح النفوس فأخذ سبحانه يبين غذاء الأجسام ومتعة الأعين ، وزخرف الحياة فقال :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها
فزروعها وثمارها وبواسقها ودوحاتها ، وأوتادها وحيوانها ، ترى القطعان تنفث في المراعى ذاهبة عائدة ،
وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ
( 6 ) [ النحل ] ، هذه زينة الدنيا ، كما قال تعالى :
. . . وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
( 5 ) [ الحج ] ، وكما قال تعالى في سورة ق :
وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 ) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9 ) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ( 10 ) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ
( 11 ) .
هذه المتع التي تشرق بها النفس فتجد فيها سعادة النفس وغذاء الجسم مكن اللّه تعالى بني آدم منها لغاية ، وهو الاختبار ؛ ولذا قال تعالى :
لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
، أي لنعاملكم معاملة المختبر الذي يريد أن يظهر ما قدره لكم محسوسا واقعا ، وقوله تعالى :
أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
، أي حالهم حال من يسأل أيكم أحسن عملا ، فالاستفهام هو معنى الابتلاء ، فمن اغتر بالدنيا واستولت عليه