وكان حقا أن يؤمن الناس جميعا به ، ويذعنوا لحقائقه . .
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
، فالاستدراك لما كان تقتضيه حقيقة الكمال في القرآن ، فكانت تقتضى ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ، أي لا يذعنون للحق وليس أن شأنه أن يذعنوا ، بل إنهم يمارون ، ويجادلون ، فتضيع الحقائق في وسط لجاجة الجدل
. . . وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا
( 54 ) [ الكهف ] .
وإن أول الحق الذي جاء به القرآن ، وأوحى به الديّان عبادة اللّه تعالى وحده ، وألا يشركوا به شيئا ؛ ولذا بيّن اللّه استحقاقه للعبادة وحده بالكون ، وما خلقه وبديع صنعه في السماوات والأرض ، وما خلق من كل شئ ، فقال تعالى :
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ
( 2 ) .
صدر الآية الكريمة بلفظ الجلالة الذي يتضمن الخالق المدبر المتصف بكل كمال ، والمستحق وحده للعبادة ، ولا يعبد معه شئ : حجر ، أو حي ، أو نجم ، أو غير ذلك مما توهم فيه بنو الإنسان في العصور المختلفة قوة يعبد لأجلها .
وبين سبحانه فضله في خلق الكون فابتدأ بذكر الكون الأعلى مجملا عرّفه بخلق اللّه فقال :
الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها
، هنا اتجاهان : نفى العمد ، ووجود العمد ونفى رؤيتها :
الاتجاه الأول : أن النفي متجه إلى وجود العمد ، وقوله تعالى :
تَرَوْنَها
دليل على نفى وجود العدم ، أي دليل على عدم وجودها عدم رؤيتكم لها ، فاللّه سبحانه وتعالى أنشأ السماوات كالقبة المحيطة بالأرض من كل أطرافها ، من غير عمد قائمة ، ويرشح لهذا المعنى قوله تعالى :
. . . وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ . . .
( 65 ) [ الحج ] .