هم الذين امتلأت قلوبهم إيمانا باليوم الآخر ، وأن الإنسان لم يخلق سدى ، وأن عمله لا يذهب هباء منثورا ، بل يوم الحساب يترقبه ، وهو يخاف ، أما الذين ران على قلوبهم هذه المادية الغاشمة فليسوا من هذه الآية في شئ .
وقد وصف اللّه بعد ذلك اليوم ، فذكر أنه يوم الحشر ، وقال فيه :
ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ
أي أن الناس جميعا مجموعون له في أول خلق آدم إلى يوم القيامة ، وذلك يوم مشهود يشهد فيه الناس جميعا ، وهو معلّم معروف لأهل المعرفة ، وهو مشهود بما فيه من أحداث وحساب وعقاب ، وبما ينزل فيه الملائكة صفا ، وبما يتجلى فيه رب البرية
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
( 23 ) [ القيامة ] ،
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ( 40 ) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ( 41 ) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
( 42 ) [ عبس ] .
وإن ذلك اليوم لآت لا محالة وإن تأخر فلأجل معدود ولذا قال تعالى :
وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ
( 104 ) أي أجل معدود في علم اللّه لا يتأخر ، ولا يتقدم ، بل معدود بالسنين والأشهر ، والشئ المعدود لا يقبل الزيادة ولا النقص ، وإذا كان معدودا فإنه آت لا محالة ، فلا يتقدم لاستعجال أحد ، ولا يتأخر لإرادة التأخير ، لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون .
ثم قال تعالى في يوم مجيئه فقال تعالى :
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
( 105 ) هنا قراءتان :
القراءة الأولى : أن الباء غير محذوفة وهو الأصل :
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ
.
والقراءة الثانية : حذف اجتزاء بدلالة الكسرة عليها ، كأنها مقدرة في الكلام ، تخفيفا وتيسيرا ، والقراءتان مشهورتان ، وإن حذف الباء موجود في لغة هذيل ، وهي من أفصح العرب ، فيقال لا أدر من غير عامل يجزم الفعل ويحذف الباء ، ويقول الزجاج : إن هذه قراءة ، والذي أراه اتباع المصحف ، وإجماع القراء لأن القراءة سنة متبعة .