بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
بالتعدية ب
عَلى
للدلالة على تمكنه من المعرفة ، وأنها ليست وهما يتوهم ولا ظنا يظن بل عقيدة متمكنة .
ذكر اللّه تعالى بعد البينة أن لها شاهدا من اللّه تعالى :
وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ
، أي يجئ شاهدا من اللّه ، فالضمير الأول في
يَتْلُوهُ
يعود إلى البينة ، وعاد مذكرا لأن البينة البرهان القاطع الحاسم الذي تهدى إليه الفطرة ، فعاد الضمير مذكرا للإشارة إلى أنها برهان بين واضح الدلالة على الوحدانية . والضمير الثاني في قوله
شاهِدٌ
يعود على اللّه ربك ، أي أنه هداك وأيدك ، والشاهد هو القرآن الكريم النازل من لدن عزيز حكيم .
وإن القرآن الكريم جاء مع البينة ، وقلنا إنها الإسلام ، فكيف يقال إنه وليها ونقول في ذلك إن الإسلام يكون دفعة واحدة ؛ لأن لبه شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، والقرآن نزل منجما فهو كان يتلى بعده لا قبله ، وإن قلنا إن البينة هي برهان العقل المدرك فالقرآن جاء واليا ، جاء به الحق .
وقد نقول وبحق نقول : إن القرآن جاء مع البينة مؤيدا لها ، والتعبير بأنه تلاها للإشارة إلى التلاوة فيه وهي الترتيل ، كما قال تعالى :
. . . وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
( 32 ) [ الفرقان ] وكما قال سبحانه :
. . . وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ . . .
( 4 ) [ المزمل ] ، وللإشارة إلى أنه هناك مراتب في الإدراك ، فالأولى أن تجىء البينة ، والمرتبة الثانية هي التأييد من اللّه بالقرآن ولا تراخ بين المرتبتين بل هما متصاحبتان ، كما تقول : فكّر ثم اقرأ ، أي اقرأ قراءة متفكر متدبر ، وكأن القرآن شاهد ؛ لأنه ببلاغته ، وفصاحة كلمه ، وعمق معانيه مع وضوحها ، وعلمه وقصصه الحكيم كان المعجزة الخالدة ، فهو شاهد دائم ناطق بالحق إلى يوم القيامة ، وفيه الدلالة الواضحة على رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى يوم الدين .
ثم أشار سبحانه إلى تصديقه للكتب السابقة وبشارتها به فقال تعالى :
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً
، فدلت هذه العبارة على أمرين .