معه أملا في منجاة -
أُحِيطَ بِهِمْ
كناية عن الهلاك وفي ظنهم بأنه لا منجاة ، دعوا اللّه مخلصين له الدين ، أي اتجهوا إليه بالطاعة والتأليه والعبادة ، وقد أخلصوا وخلّصوا نفوسهم من الشرك ، وقالوا :
لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
أكدوا وعدهم للّه تعالى بالقسم الذي تدل عليه - اللام - الأولى الموطئة للقسم واللام الثانية في الجواب ونون التوكيد الثقيلة
لَنَكُونَنَّ
وأكدوا بدخولهم صفوف المؤمنين الشاكرين ، والشكر هنا هو الطاعة للّه وإخلاص العبادة والخضوع له وحده .
فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 23 ) .
لكن الإنسان ما أكفره ! إنه كان في حال ضعفه وقد أحيط به يتضرع إلى ربه طائعا خاضعا ، فإذا خرج من شدته طغى وبغى ونسي ضراعته ، وكان شديدا على الناس وهو الضعيف البادى ضعفه .
فَلَمَّا أَنْجاهُمْ
الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي أنه بعد الشكر والذي أقسموا عليه إذا نجاهم بطاعته والقيام بالعمل الصالح ، إذا هم يبغون .
إِذا
المفاجئة تدل على أمرين :
أولهما - سرعة البغى كأنه مستكن في صدورهم لم قد تدحضه الشدة ؛ لأن معدنهم خبيث لم يتأثر إلا في ظاهر الأمر حال ضعفهم ثم يستولى عليهم غرورهم كما كانوا .
ثانيهما - أنها تدل على نقيض ما كان ينبغي أن يكون منهم إذ كان قسمهم يوجب عليهم أن يكونوا بعد النجاة طائعين مدركين قدرة اللّه وسلطانه ، وأنه قادر على ردّهم إليه كما كان قادرا على إغاثتهم في كربهم .
( البغى ) هو الخروج عن الجادة وسلوك طريق الفساد ، فيشمل كل المعاصي من زنى وخمر وشرك واعتداء على الآحاد والجماعات والسعي في الأرض ،