نور الحق ، فهي في ظلمات دائمة مستمرة
كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
، أي كهذا الجزاء الذي جزيناهم به من الهلاك الذي نزل بهم وكطمس قلوبهم فلا يؤمنوا نجزى المعاندين ، وقد وصفهم سبحانه وتعالى بالإجرام وأن ذلك هو الذي أدى إلى هلاكهم ، وإجرامهم كان في كفرهم وطغيانهم وفسادهم في الأرض وهذه عبرة ساقها القرآن لمن يعتبر ، وخاطب بها المشركين الذين يعبدون الأوثان ليعتبروا فقال تعالى :
ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
( 14 ) .
ثُمَّ
هنا لمعناها من الترتيب والتراخي ، وأن التراخي فيها يدل على تعدد الأجيال وكثرتها وما تركته من عبر وآثار تدل على عاقبة أمرهم ، وهم على مقربة منهم يسيرون في أرضهم ، و
خَلائِفَ
جمع خليفة وهم الذين يسكنون في مساكنهم كما قال تعالى :
وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ
( 45 ) [ إبراهيم ] .
إن هذه الخلافة في الأرض التي فيها العبر والرسوم الدالة على مآل الذين ظلموا فيها وقاوموا الأنبياء وكذبوهم ، وهي كافية لاعتبارهم واهتدائهم إن غلبت عليهم الهداية ، أو ضلالهم إن غلبت عليهم الشقوة ؛ ولذا قال تعالى :
لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
، ( اللام ) للتعليل أو الغاية ، وهي هنا للغاية ، وضمير المتكلم وهو اللّه ذي الجلال والإكرام ، والنظر من اللّه تعالى لأمور أنها واقعة لا أنها متوقعة ، فهو يعلم الأمور كلها ما حضر وما غاب وما كان وما يكون ، والنظر هنا إلى ما هو واقع أهو الهداية والاهتداء أم هو الضلالة والابتعاد ؟ ، و ( كيف ) استفهام عن حالهم وواقعهم هدى أم ضلال .