تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1210

مساهمون:

ص١٢١٠
آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً
بأن تحبس أنت لسانك عن حديث الناس وتجعله خاصا لله ثلاثة أيام لذكره وتسبيحه طرفي النهار وزلفا من الليل ، فهذه آية شكر في نظير آية إنعام ، وقد يزكى ذلك الاتجاه أنه لا دليل في الآية على العجز عن الكلام ، فما قال تعالت كلماته ألا تستطيع الكلام ، بل قال :
أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ
وإضافة عدم الكلام إليه يدل بظاهره على أنه امتنع اختيارا لا اضطرارا ، وأن الأنسب بشكر النعمة أن يكون امتناعه عن كلام الناس بالكف عنه ، لا بالعجز عنه ، فإن الأول اختياري يعد شكرا ، والثاني غير اختياري يعد عجزا ، وإن سياق القصة في سورة مريم أظهر في الدلالة على الاختيار دون الإجبار إذ يقول سبحانه :
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ( 10 ) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
( 11 ) [ مريم ] . وقد كان الدعاء بطلب الولد في المحراب وإجابته فوره كما نوهنا ، وكانت المجاوبة فيه أيضا ، فخرج إلى الناس ينفذ طلب ربه في أن يحبس وهو مختار لسانه عن غير ذكر اللّه تعالى ، ويعتزم العكوف على الذكر والتسبيح ويدعو الناس إليه بالرمز والإشارة ، لا بالكلام والعبارة . وإن هذا الاتجاه لا ينكر الخوارق ، ولكنه ليس في الآية ما يدل على الخارق ، ويعتبر من مرشحات شكر النعمة أن يكون ترك كلام الناس اختيارا . وفوق ما تقدم فإن عطف قوله تعالى :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ .
يقتضى أن يكون قوله تعالى :
أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ . . .
جملة طلبية ؛ لأن الجملة الطلبية لا تعطف إلا على مثلها ، وإذا كان الامتناع عن كلام الناس طلبا من اللّه العلى القدير ، فهو اختياري من المكلف وليس حبسا وعجزا ، أما إذا كان خارقا فهو إخبار وليس بطلب . وهنا بعض عبارات نفسرها لفظيا : الأولى : كلمة
« إِلَّا رَمْزاً »
قد جاء في تفسير الزمخشري : « إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما ، وأصله التحرك ، يقال ارتمز إذا تحرك ، ومنه قيل للبحر الراموز ، وقرأ يحيى بن وثاب « إلا رمزا » بضمتين جمع رموز كرسول ورسل ؛ وقرئ « رمزا » بفتحتين جمع رامز كخادم وخدم .
زهرة التفاسير — صفحة 1210 | محمد أبو زهرة