تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 1614

مساهمون:

ص١٦١٤
بجهالة . وثالثها : أنهم
يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ،
بحيث لا يسترسل في الشر استرسالا ، ويستمرئه ويكرره ويستمر عليه ، وهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ
( 135 ) [ آل عمران ] . وذلك لأن من يفعل الذنب على ذلك النحو لا يستغرق قلبه ، وقد ورد في الأثر « إن المذنب إذا أذنب نكتت نكتة سوداء في قلبه ، ثم تتوالى النّكت السوداء حتى يربدّ قلبه » ، ومن يعمل السوء بجهالة ثم يتوب من قريب ليس كذلك ، وقد أكد الله قبول التوبة فقال :
فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً .
أي هؤلاء الذين ارتكبوا عن جهالة بعض الذنوب ، ولم تربدّ قلوبهم بتكرار الذنوب وتعددها واستمرائها والاستمرار عليها ، يتوب الله عليهم أي يقبل توبتهم ، ويأخذ بأيديهم إلى الهداية ويطهر نفوسهم من أرجاس الذنوب ، وهذا ما تضمنه النص السامي
يَتُوبُ اللَّهُ
أي يسبغ التوبة عليهم ، وهي تتضمن معنى الاهتداء والاتجاه إليه سبحانه ، وإسباغ التوبة عليهم هو إلقاء الطهر عليهم فتتطهر نفوسهم ، وقد بين سبحانه أن ذلك مقتضى علمه وحكمته ، فقال :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
أي أن الله تعالى يعلم النفوس وحركاتها وخلجاتها وسكناتها وميولها وانحرافاتها ، ويعلم ما يطهرها ، وما يركسها ، وما يهديها وما يغويها ، وهو بحكمته يعالج أدواءها . وقبول التوبة أبلغ علاج ، والصفح في أكثر أحواله دواء للأسقام التي تعرض للنفوس ، ولم تستقر فيها استقرارا .
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
بعد أن بين سبحانه الذين أخذ العهد أن يقبل توبتهم ، وهم الذين قد كانت حالهم ما ذكره سبحانه ، بين حال الذين لا تقبل توبتهم ، فقال تعالت كلماته :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ
هنا نفى لوقوع التوبة ؛ لأن حقيقة التوبة كما بينا تقتضى أن يكون العبد في فسحة من الوقت تمكنه من معاودة الخير ، فمن يقول عند حضور الموت :
إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
ليس بتائب . وإذا لم تتحقق منه التوبة فإنه لا يستحق من الله تعالى القبول ؛ إذ لا موضوع له .
زهرة التفاسير — صفحة 1614 | محمد أبو زهرة