أولهما : أن حال هؤلاء الناس حال إعراض دائم عن الحق ، فليس توليهم إذ دعوتهم إلى أن يحكم كتاب اللّه بينهم أمر عارض لحال وقتية اقتضته ، بل الإعراض صفة مستمرة لفريق منهم لا تنفصل دائما عن تفكيرهم .
الأمر الثاني : أن تلك الحال المستمرة الدائمة من الإعراض هي سبب توليهم عن الحق عندما يدعون إلى كتاب اللّه تعالى ليحكم بينهم .
والقرآن الكريم ينصف الحق في أخباره ، كما هو الحق في ذاته ؛ ولذلك لم يعمم الحكم على كل الذين أوتوا الكتاب بل قرر أن التولي كان من فريق منهم ، ولم يكن من كلهم ؛ وهذا كقوله تعالى :
مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ
( 66 ) [ المائدة ] .
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ
في هذه الآية يبين سبحانه السبب في أنهم لا يقبلون على الخير ولا يعملون بالحق ، وهو اعتقاد أنهم لن يعاقبوا عقابا أليما ، ولن يعذبوا عذابا شديدا ؛ وذلك لما ركز في نفوسهم من أنهم أبناء اللّه وأحباؤه ، وأنهم شعب اللّه المختار ، وأنهم لا يحاسبون إلا بمقدار ما يحاسب الأب ولده المدلل ، وحبيبه المختار ، إذا رأى مخالفة أو عنادا فإنه لا يجافيه ولا يعاقبه ، ولكن يقربه ويعاتبه ؛ فمعنى
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ :
ذلك الإعراض عن الحق ، والتولي عن الداعي إليه ، واللجاجة في الباطل ؛ بسبب أنهم يقولون لن تمسنا النار إلا أياما معدودات . وليس المراد إحصاء الأيام ، بل المراد الاستخفاف بالعقاب والاستهانة به ، وعدم الالتفات إلى وعيد اللّه ، وزعمهم الباطل أنهم ينالون ما وعد به من ثواب ونعيم مقيم من غير عمل يعملونه ، ولا كسب يكسبونه ، فهم بهذا قد استناموا إلى الأماني وغرتهم الأوهام .
ولما ذا كان الاستخفاف بالعقاب وعدم الاهتمام بالوعيد سببا في الإعراض عن الحق ؟ الجواب عن ذلك أن الحق يصل إليه المؤمن بأحد أمور ثلاثة : إما بإشراق النفس ، واستقامة القلب ، وسلامة الفكر من الهوى والغرض ، وذلك شأن من زكت نفوسهم وعلت قلوبهم ؛ وإما شكر للنعمة ، ووفاء لحق المنعم ، وذلك