وقد وصف عذاب هؤلاء بأنه مهين ليتعزى المؤمنون عما يرون من عزة هؤلاء وسلطانهم ببيان أنهم سيكونون من بعد في أشد الذلة ؛ لأن عذاب اللّه سبحانه سيريهم الهوان الحقيقي الدائم الذي لا رفعة معه .
وقد بين سبحانه أن تلك الشدائد التي تنزل بالمؤمنين هي خير لهم ليتبين الطيب من الخبيث ، ولذا قال سبحانه :
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ .
كانت هذه الشديدة التي نزلت بالمسلمين في غزوة أحد سببا في أن عرف المؤمنون الصادقون من المنافقين وضعاف الإيمان ، وقد بين سبحانه أن شأن اللّه تعالى في عباده أن يختبرهم ، ويصهر جماعتهم بالشدائد لينفصل عنهم الخبث ، كما ينفصل الخبث عن الذهب بصهره ، و « يذر » : معناها يترك ، وقوله :
عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ ،
من اليسر ، وعدم التعرض للشدائد ، ومعنى
يَمِيزَ
يفصل ، وقرئ ( يميّز ) « 1 » أي يحدد ويبين ، والطيب هو الصادق الإيمان ، والخبيث هو المنافق ومن يثق به من ضعاف الإيمان ، ومعنى النص الكريم : ما كان من شأن اللّه تعالى وسنته في عباده ، ومعاملته لأهل الإيمان والصدق أن يتركهم في حال من اليسر الذي لا صعوبة معه ، فإن ذلك يجعلهم مختلطين لا مميز يميز من دخل في الإيمان وأشرب قلبه حبه ، ومن دخل في الإسلام ولم يذق حلاوته ، ومن أضمر الكفر وأظهر الإيمان ، وما كان اللّه تعالى ليتركهم غير متميزين حتى يبين الخبيث من الطيب ، وتنفصل الأقسام ، وتتميز كل جماعة بحقيقتها . وهذا على أن قوله تعالى :
عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ
من نصر مستمر ، لا مشقة فيه ولا ابتلاء ، وعلى أن قوله تعالى :
عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ
بمعنى مختلطين غير متميزين يكون السياق واضحا ، وقد بينه الزمخشري بقوله : ( لا يترككم مختلطين حتى يميز الخبيث من الطيب بأن يكلفكم التكاليف الصعبة التي لا يصبر عليها إلا الخلّص الذين امتحن اللّه قلوبهم كبذل الأرواح في الجهاد ، وإنفاق الأموال في سبيل اللّه ، فيكون عيارا
هامش
( 1 ) أي بتشديد الياء ؛ وبها قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وخلف . المرجع السابق .