هذا إن أخلصوا ، وإن تولّوا أي أعرضوا عن هذا الإخلاص ، وانصرفوا إلى المثارات البيانية يثيرونها ليطفئوا نور الحق ، فما من حجة تهديهم ، وما من آية ترشدهم ، وقد أديت ما وجب عليك وهو التبليغ ؛ ولذا قال سبحانه :
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ
وقد بلغتهم فالمحاجة معهم لا تجدى ؛ لأنهم مكابرون ، والمكابر لا تزيده قوة الحجة إلا إصرارا وعنادا ولجاجة ؛ فإن أعرضوا فأعرض عنهم ، واتجه إلى المخلصين طلاب الحقيقة تهديهم وترشدهم ، وتأخذ بيدهم إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا وثوابهم في الآخرة . ثم ذيل سبحانه الآية بقوله تعالى :
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ .
والمعنى أنه سبحانه وتعالى عليم علم من يبصر بالعباد ، يعلم نفوسهم ما يهديها وما يرديها ، وما يصلحها وما يجدبها ، وعليم بنفوس هؤلاء المتمردة التي لا تبغى سدادا ، ولا تريد رشادا ، وعليم بمسالكهم في الدنيا ، وأعمالهم التي أركستهم في ذلك الضلال المتكاثف ، والذي يزيده إمعانهم في الإنكار والجحود ظلاما ، وعليم بما يصيبهم في الآخرة . فهذا التذييل لتلك الآية الكريمة فيه عزاء للنبي عن كفرهم وإشارة إلى أحوالهم ، وإنذار بسوء مصيرهم .
وقبل أن نختم الكلام في هذه الآية الكريمة نقرر أن جمع أهل الكتاب والأميين في دعوة النبي صلى اللّه عليه وسلم إشارة إلى عموم رسالته ، كما قال تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً . . .
( 28 ) [ سبأ ] ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « بعثت إلى الأحمر والأسود » « 1 » وقال صلى اللّه عليه وسلم : « كان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس كافة » « 2 » ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه
هامش
( 1 ) رواه الدارمي : السير - الغنيمة لا تحل لأحد قبلنا ( 2358 ) ، وأحمد : مسند الأنصار ( 20352 ) . .
( 2 ) هذه الرواية تفسر قوله عليه الصلاة والسلام : « بعثت إلى الأحمر والأسود » يعني : « إلى الناس كافة » ، وبالأول رواها مسلم في صحيحه باللفظ المشار إليه في التخريج السابق . مسلم : المساجد ومواضع الصلاة فيها ( 810 ) ، النسائي : الغسل والتيمم ( 429 ) ، أحمد : باقي المكثرين : ( 13745 ) ، الدارمي :
الصلاة ( 1352 ) .