وإنه من أعظم منن اللّه أن يخاطب المؤمنون بكتاب يتلى عليهم من السماء ، وأن يوجه إليهم الخطاب مباشرة من اللّه تعالى .
والتزكية هي العمل الثاني من عمل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهي تطهير نفوس المؤمنين من أدران الجاهلية ، وتنميتهم وتقويتهم ، فالرسالة المحمدية كأن آثارها في المؤمنين تتجه إلى ثلاث نواح : تهذيب نفوسهم آحادا ، والربط بين قلوبهم جماعات ، والعمل على رفع شأنهم والتمكين لهم في الأرض بأسباب القوة ، كما قال تعالى :
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ
( 5 ) [ القصص ] . والكلمة
« وَيُزَكِّيهِمْ
تشتمل على كل هذه المعاني التي ترفع من شأن أهل الإيمان .
وتعليم الكتاب هو تعليمهم ما اشتمل عليه من أحكامه ببيان ما عساه يكون فيه من نصوص تعلو على مداركهم ، وتفصيل المجمل فيه ، وتطبيقه عليهم ، فتعليم علم الكتاب غير تلاوته إذ تلاوته قراءته مرتلا مفهوما ، وتعليمه بيان أحكامه ، فقد أمر بالصلاة ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم علمها ، وأمر بالحج ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم علمه ، وهكذا ، وقيل : إن تعليم الكتاب هو تعليم المؤمنين الكتابة ونقلهم من الأمية إلى العلم ، فتعليم العلم في ذاته غاية من غايات الإسلام ، ولذا كانت أولى آيات القرآن :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
( 5 ) [ العلق ] .
وتعليم الحكمة ، فسره الشافعي بأنه تعليم السنن العملية ، ويصح أن تفسر الحكمة بما هو أعم من ذلك وأشمل ، فتشمل العلم بأسرار الكون ، وأسرار النفوس ، والسلوك القويم الذي يسدد الخطا في الدنيا ، ويرضى اللّه سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة .
وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
أي إن حال الناس ، وخصوصا العرب ، أنهم كانوا من قبل بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم في ضلال واضح بيّن ، تنفر منه العقول المستقيمة وتأباه الأذواق السليمة ، ألم يكن العرب في عمياء من أمورهم