اللّه تعالى خالق الأسباب والمسببات ، وهو القادر على تغييرها ، أو جعل الأمور على غير ما توجبه أسبابها ، فالتوكل عليه ضراعة وإحساس بالكمال المطلق للّه تعالى وقدرته الشاملة الكاملة على كل ما خلق ، وإن عدم التفويض مع العمل غرور من الإنسان ، واستعلاء بغير سبب ، وإنه مهما يدبر الإنسان فقد يخطئه التنفيذ كما كان في غزوة أحد .
ويجب أن نقرر هنا حقيقتين : « إحداهما » أن قدرة اللّه تعالى واضحة في نتائج الأفعال ، فعليه المعتمد . ألم تر إلى رجلين يبذران بذرا ، ويلقيانه في قطع متجاورات من الأرض ، ويأتي اللّه لأحدهما بأبرك الثمرات ، والآخر تأكل الآفات زرعه وكلاهما احتاط وأخذ بالأسباب . « والثانية » أن الاتكال على اللّه تعالى ذكر للّه ، فتطمئن القلوب ويذهب الخوف والجزع ويكون الإقدام .
ولهذه المعاني النفسية العالية في التوكل الحق صرح بحب المتوكلين المولى العلى القدير فقال تعالت كلماته :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
وأي منزلة أعلى في الوجود من هذه المحبة التي تتضمن الرضا ، ورضوان اللّه أكبر من كل شئ ، فكيف تكون محبته ، والمتوكل على اللّه حق توكله قد تسامى بنفسه عن أعلاق الأرض ، ودرج بنفسه في مدارج الروحانية ؛ لأنه اعتبر إرادته وعزيمته وتدبيره وعمله ليست بشيء بجوار قدرة اللّه .
وقد أكد سبحانه وتعالى طلب التفويض والتوكل بعد التدبير وأخذ الأهبة بقوله تعالى :
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ .
أي أنه إذا أراد اللّه تعالى أن ينصركم ، واستحققتم نصره فإنه لا يوجد قوم من شأنهم أن يغلبوكم ، والتعبير باسم الفاعل في قوله تعالى :
فَلا غالِبَ لَكُمْ
يفيد أنه لا يوجد من عنده القوة ومن شأنه أن يغلبكم ؛ لأنه إن كان قويا في نفسه فاللّه معكم وهو القاهر فوق عباده ، وهو الحفيظ عليهم ، وخلق