الذين جعلوا بينهم وبين الشر وقاية أي جعلوا أنفسهم في حصن فلا مدخل للشيطان إليها ، ولا سارب له في قلوبهم ، وصار ذلك شأنا من شؤونهم حتى كان وصفا وحالا دائمة مستمرة لهم .
وقد أخذ بعد ذلك يبيّن سبحانه وتعالى الصفات التي رفعتهم إلى هذه الرتبة ، والتي جعلتهم يصلون إلى هذه المنزلة فذكر خمس صفات كلها ذات صلة وثيقة ببناء مجتمع سليم قوى ثابت ، وقد ذكر الصفة الأولى فقال سبحانه :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
ومعنى النص السامي أنهم ينفقون ، ويتجدد إنفاقهم آنا بعد آن ، ولذا عبر المضارع ؛ لأن التعبير بالمضارع يفيد التجدد المستمر ، والتعبير بالماضي يفيد الواقع المنقضى ، ومعنى قوله تعالى :
فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
أنهم ينفقون في حال مسرتهم ، وحال مساءتهم ، وهذا يشمل أحوالا كثيرة ، فهم ينفقون في حال الغنى والفقر واليسر والعسر ، وكل حال بمقدارها ، وفي حال الصحة والمرض ، وفي السرور والحزن ، وحال عرس أو مأتم أو حبس ، والمغزى في هذا أنه لا تشغلهم أنفسهم عن حاجة الناس إليهم أو إلى أموالهم ، ولا تشغلهم همومهم الخاصة عن هموم الناس ، والإنفاق منهم ليس لمناسبات تعرض وتزول ، ولا لأحوال تجىء ثم تحول ، بل هو لطبيعة ثابتة فيهم مستقرة غير مفترقة لا تزايلهم . وقدم الإنفاق على غيره من الصفات ، لأنه وصف إيجابي وما عداه سلبى أو يتصل به ، والإيجابى في أكثر أحواله أشق من السلبي ، ولأنه أدل على الإخلاص ، ولأنه في صدر الإسلام كان المجتمع أشد احتياجا إليه من غيره ، إذ كان الفقر كثيرا ، وكانت الحاجة إلى المال في الجهاد أشد ؛ إذ كان ذلك ابتداء دولة ، ولذلك قرن الأمر بالإنفاق بالنهى عن التعرض للتهلكة ، فقال تعالى :
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ . . .
( 195 ) [ البقرة ] .
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
كظم الغيظ أن يمسك على ما في نفسه ، فيحملها على الصبر ، ولا يظهر أثر لهذا الغيظ ، ولقد قال الراغب الأصفهاني في مفرداته : ( الغيظ أشد الغضب وهو الحرارة التي يجدها