تعالى يقول :
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ . . .
( 159 ) [ آل عمران ] .
وفي الآية التي نتكلم في معانيها السامية جاء الأمر بالتوكل بعد أن أخذ النبي صلى اللّه عليه وسلم يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال ، ويأخذ الأهبة ويستعد ، وإذا كان التوكل ترك الأسباب فلم كان الأمر بالعمل والقتال وغيره من التكليفات التي تكون سببا لنتائج شرعية .
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ
بعد أن أشار سبحانه إلى تأثير أهل السوء مع كثرة المؤمنين - في غزوة أحد وكيف حاولوا أن يوهنوا عزائم المؤمنين أخذ سبحانه وتعالى يبين غزوة بدر ، وقد كانت وليس بين المؤمنين منافقون ؛ لأن أولئك المنافقين ما دخلوا إلا بعد أن وجدوا أن كلمة اللّه هي العليا ، فأظهروا الإسلام وأبطنوا غيره ، وكان منهم يهود ومنهم مشركون ، فكان المسلمون قلة ، ولكن لأنه لم يكن بينهم منافقون ، ولم يتخذوا بطانة من غيرهم نصرهم اللّه سبحانه وتعالى . والمعنى أن اللّه تعالى نصركم والحال أنكم كنتم قليلا وكنتم مستضعفين في الأرض كما قال تعالى :
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( 26 ) [ الأنفال ] .
وإن ذكر هذا يدل على أمرين : أحدهما : أنه لا بد من التفويض إلى اللّه تعالى مع أخذ الأسباب ، والثاني : أن القلة مع نقاء القلوب وتلاقى العزائم يكون معها النصر ؛ لأن توحيد الغرض قوة في ذاته تكافئ قوة العتاد والعدة .
وقد يقول قائل : كيف يعبر القرآن الكريم عن المسلمين بأنهم كانوا أذلّة قبل بدر ، والذلة أمر نفسي ، وما كانوا كذلك في أي دور من أدوارهم ، فأولئك الضعفاء الذين كانوا يفتنون في دينهم فلا يغيرون هم في عزة نفسية أكثر من مضطهديهم ، واللّه تعالى يقول :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ . . .
( 8 )