الحبل الوثيق الذي لا يضلون إذا استمسكوا به ، ولا يتفرقون ما داموا آخذين بعروته الوثقى ، وهو تقوى اللّه حق تقاته ، فقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ .
صدر الكلام سبحانه بهذا الموصول الذي كانت الصلة فيه الإيمان ، للإشارة إلى أن المطلوب من مقتضيات الإيمان ومن نتائجه ، وهو غاية الغايات فيه ، والثمرة الدانية له . وقوله تعالى :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
معناه : اتقوا اللّه تعالى « واجب تقواه » أي اتقوا اللّه تعالى بالقدر الذي يجب أن يتقى به ، وهو الحق الثابت المستقر الذي ينبغي أن يستمر ولا ينقطع ؛ و « تقاة » مصدر على وزن فعلة كتؤدة ، والواو قلبت تاء على ما هو الأصل في كلمة تقوى لأنها من الوقاية ؛ وكلمة « حقّ » منصوبة على أنها مفعول مطلق مضاف إلى المصدر المشتق منه الفعل ؛ ومثل هذا قولنا ولكلام اللّه المثل الأعلى : أكرم فلانا حقّ الإكرام ، أو أدب ولدك حق التأديب ، وإضافة تقاة إلى اللّه تعالى في قوله تعالى :
حَقَّ تُقاتِهِ
تفيد علو الواجب المطلوب له سبحانه وتعالى من التقوى ، فالمطلوب هو التقوى الواجبة التي تليق بذى الجلال والإكرام الواحد القهار ، والمالك لكل شئ ، القاهر فوق عباده ، الغالب على كل أمر ، ويقول الزمخشري في تفسير قوله تعالى :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
:
حَقَّ تُقاتِهِ
واجب تقواه وما يحق منها ، وهو القيام بالمواجب ، واجتناب المحارم ، ونحوه
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ . . .
( 16 ) [ التغابن ] يريد بالغوا في تقوى اللّه حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئا » .
وهذا معنى مستقيم ، وتخريج قويم ، ويكون المعنى في الآيتين متلاقيا ؛ إذ يكون معنى :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
اتقوه بأقصى الاستطاعة في التقوى ، فبذل المستطاع منه هو عين التقوى ، وهو أقصى غاياتها .
وقد زعم بعض المفسرين أن الصحابة عندما نزل قوله تعالى :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
شكوا إلى رسول اللّه مشقة ذلك عليهم ، فنزل قوله تعالى :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا