معنى لازم للطرد الذي هو الأصل في المعنى اللغوي ؛ لأن الطرد يترتب عليه السخط والمقت والغضب ؛ إذ لا يطرد من رضى اللّه عنه ، ولا يطرد محبوب ، وعلى ذلك تكون اللعنة هنا بمعنى سخط اللّه تعالى وغضبه ، وسخط الملائكة وغضبهم ، ولا مانع من أن يراد الطرد من رحمته إذا اجتمع مع الغضب في مثل قوله تعالى :
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً
( 93 ) [ النساء ] . فهذه معان متلازمة مترتب بعضها على بعض ، فيترتب على الغضب الطرد من الرحمة ، ويترتب على الطرد من الرحمة عذاب السعير ، فإنها للجنة أبدا ، أو للنار أبدا ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم « 1 » .
وكون اللعنة تكون من الناس أجمعين معناه أن الفطرة الإنسانية السليمة كلها تتنكر وتلعن تلك القلوب المنحرفة التي لا تخضع لحق ، ولا تؤمن للبينات ، بل تتجه إلى طمس المعالم التي تنير وتهدى ، فالمراد المعنى الإنسانى العام لا الإحصاء والجمع لآحاد بنى الإنسان .
خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
هذا تأكيد للجزاء الأول وتصريح يلازمه ، فاللعنة دائمة مستمرة ، وهم فيها خالدون لا تزايلهم ولا تنفصل عنهم أبدا ، فهم في سخط من اللّه مستمر ، وسخط من الملائكة والناس دائم ، وإنه يترتب على سخط اللّه عذابه ، وإذا كان سخط اللّه دائما فعذابه دائم لا يقبل التخفيف ، ولذا قال سبحانه :
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ
لأن تخفيف العذاب لازم لتخفيف الغضب والسخط ، وإذا انتفى الملزوم فقد انتفى اللازم .
وهذا العذاب في الآخرة عاجل لا يقبل التأخير ، ولذا قال سبحانه :
وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
أي لا يؤجلون ولا يؤخرون لمعذرة يعتذرون بها أو ليتمكنوا من إصلاح خطئهم ، فإن الآخرة دار جزاء عما عملوا في الدنيا .
هامش
( 1 ) عن أبي سعيد الخدريّ رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد : يا أهل الجنّة ، فيشرئبّون وينظرون فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم هذا الموت ، وكلّهم قد رآه ، ثمّ ينادي : يا أهل النّار ، فيشرئبّون وينظرون فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم هذا الموت ، وكلّهم قد رآه ، فيذبح ، ثمّ يقول : يا أهل الجنّة خلود فلا موت ويا أهل النّار خلود فلا موت ثمّ قرأ :وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍوهؤلاء في غفلة أهل الدّنياوَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ .