جاء بها تتجافى عن هذا الادعاء ، والأمانة التي تحملها برسالته عن اللّه تعالى تمنعه من أن ينطق بهذا البهتان الصريح ؛ فإنه ليس في كتابه ولا شريعته ، ولا يتفق مع معنى رسالته ، وإذا كان من المستحيل أن يدعى تلك الدعوة فإن المعقول أن تكون دعوته متفقة مع هذه الأمور ، ولذا قال سبحانه في دعوته :
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ
أي :
ولكن يقول أولئك الذين أوتوا علم الكتاب ، وعلم الشريعة ، وفضل النبوة والسفارة الإلهية للناس :
كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
والربانيون ، نسبة إلى الرب سبحانه وتعالى وقويت النسبة بزيادة الألف والنون ، ومعنى هذه النسبة إلى اللّه تعالى يتضمن أنوارا يتخلق بها المؤمن .
أولها : ألا يعبد إلا اللّه وحده ، فيكون بعقله وقلبه وأحاسيسه خالصا للّه سبحانه وتعالى ولا يشرك فيها أحدا سواه .
وثانيها : ألا يعرف حقيقة شرع إلا عن اللّه ، فلا يوسط في تعرفها عبادا لهم أهواء وشهوات ، يحرفون الكلم عن مواضعه إلا أن يكونوا ذوى فهم في كتاب اللّه تعالى قد حرم هو منه ، فيستعين بهم على فهم كتابه سبحانه لا أن يأخذ أقوالهم على أنها دين اللّه .
ثالثها : ألا ينفذ من الأحكام إلا أحكام الرب سبحانه وتعالى .
رابعها : أن تكون كل أعماله خالصة لوجه اللّه فلا يمارى ولا ينافق .
خامسها : أن يخضع للحق لذات الحق ، وقد بين سبحانه - حكاية عما ينبغي أن يقوله الرسل وقد قالوه - كيف تتربى الربانية في نفس المؤمن ، فذكر أنها علم الكتاب المنزل والعكوف على دراسته ، فقال :
بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ .
أي : أن الذي يربى الربانية هو الاستمرار والدءوب على أمرين اثنين :
أولهما : دراسة الكتاب المنزل الذي بينه الرسول ، فهو يدرسه مع شارحه ، ويقطع كل الحجزات التي تحول بينه وبين هذه الدراسة ، فلا يأخذ دين اللّه عن غير كتاب اللّه الذي بينه رسول اللّه تعالى .