يدخلوا في تلك المبارزة النفسية التي يبارز فيها الحقّ اليقين الثابت الباطل المتردد المتحير .
وفي هذه الآيات ينتقل سبحانه وتعالى من الخصوص إلى العموم ، فيخاطب أهل الكتاب من نصارى ويهود على لسان نبيه ، يدعوهم جميعا إلى الحق الذي يتساوى عنده الجميع ، فقال تعالى :
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
النداء هنا لأهل الكتاب عامة ، لا لطائفة خاصة منهم ؛ فهو يشمل اليهود والنصارى جميعا ، لا فرق بين طائفة منهم وطائفة ، وكان النداء في هذا عاما ؛ لأن العيب عام فيهم ، والدواء واحد ؛ فلوحدة الداء ووحدة الدواء كان النداء عاما ؛ ذلك أن عيبهم هو التعصب لما عندهم تعصبا أعماهم عن الحق عند غيرهم ، فهم يظنون أنهم وحدهم أهل علم النبوة لا ينزل على غيرهم ولا يدينون به لسواهم ، فهم يزعمون أنهم أبناء اللّه وأحباؤه ، وكل يتعصب لما عنده ، فاليهود يقولون : ليست النصارى على شئ ، والنصارى يقولون : ليست اليهود على شئ ، وكلاهما يقولون : ليس غيرنا على شئ ، والدواء واحد أيضا ، وهو طلب الحق لذات الحق من غير إذعان لهوى ، ولا إفراط في العصبية ، وحتى لا تؤدى إلى الانحراف .
وناداهم سبحانه : ب
« أَهْلَ الْكِتابِ »
مع أنهم حرفوا فيه الكلم عن مواضعه ، وانحرفوا عن مبادئه ، وفرقوا في أحكامه ، وتفرقوا في فهمه ؛ والسبب في هذا النداء هو أولا توبيخهم على ما كان منهم ؛ لأن علمهم بالكتاب كان يوجب عليهم الإذعان للحق بدل التفرق فيه ،
وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ . . .
( 14 ) [ الشورى ] ثم هناك سبب آخر ، وهو أن علمهم بالكتاب في الجملة يجعل الاحتكام إلى ما بقي منه عندهم كافيا لإذعانهم إن كانت عندهم أثارة من إيمان بالحق وطلب له مع ما هم فيه من تعصب .
ولقد أمر اللّه نبيه بأن يدعوهم بقوله :
كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
أي كلمة هي مستوية بيننا وبينكم ، أي فيها إنصاف لنا ولكم ، ونلتقى فيها معكم ، وتلتقون