يجبنوا ولم يضعفوا . فالتعبير بقوله :
رَأْيَ الْعَيْنِ
تأكيد الرؤية بأنها رؤية بصرية ، لا رؤية تقديرية ؛ فهم يعاينون معاينة لا لبس فيها ولا غموض أنهم ضعفهم . فالذين يعتزون بالكثرة عليهم أن يعرفوا أي الفريقين غلب ، والذين يعتزون بالمادة عليهم أن يعرفوا لمن كانت النصرة : أهي للمادة أم للروح والإيمان ؟
فالذين رأوا خصومهم مثليهم هم المؤمنون . وهذا ترجيح ابن جرير الطبري . وقد رجح الزمخشري أن الذين رأوا : هم المشركون ، قد رأوا المؤمنين مثليهم . وإن الأول في نظرنا أولى ؛ لأن المسلمين في غزوة بدر كانوا فعلا أقل عددا من المشركين ، وأقل عدة ، ولأن التعبير بقوله تعالى
رَأْيَ الْعَيْنِ
يفيد أن رؤية هذه الكثرة كانت بصرية بالمعاينة ، لا بالتقدير أو التخيل أو التوهم ، ولا يمكن أن يتحقق ذلك في رؤية المشركين للمؤمنين ؛ لأنه كان يكذب ، ولذلك نختار أن الرؤية كانت رؤية المؤمنين للمشركين ، ولكن قد ورد اعتراضان :
أحدهما : أن المشركين في بدر كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين تقريبا ولم يكونوا ضعفهم .
ثانيهما : أن اللّه سبحانه قد قال في غزوة بدر :
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا . . .
( 44 ) [ الأنفال ] .
وإن رد الاعتراض الأول سهل ؛ فإن العين لا تقدر تقديرا عدديا ، ولكنها تقدر تقديرا تقريبيا ؛ فثلاثة الأمثال قد ترى رأى العين مثلين . وقد يقال إن المراد بكلمة مثلين ليس التثنية إنما المراد مجرد التكرار وذلك استعمال عربى ، كما في قوله :
ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ . . .
( 4 ) [ الملك ] ، فالمراد تكرار النظر ، لا التقدير بمرتين اثنتين ؛ كذلك هنا المراد التكرار العددي لا مجرد مثلين اثنين ، وإن ذلك شائع ، فيقال مثلا : اقرأ هذا مرتين ولا تكتف بالنظرة الأولى ، والمراد التكرار .
أما الاعتراض الثاني ، فقد أجاب عنه ابن كثير في تفسيره المستمد من الأثر ، بأنهم عندما أرادوا حسبانهم رأوهم ضعفهم أو يزيدون ، فلما ألقى في قلوب الذين