ولقد كان خليقا بقريش أن تدرك عظمة اللّه - جلّ جلاله - في كل شيء يحيط بها ، وأن من آيات اللّه الدّالة بعث محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم رسولا للناس كافة . فما كان أجدرها أن تعي آلاء اللّه تعالى ، وأن تؤمن ببعث محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ! ولكنها أبت إلّا أن تنال منه ، وتحاول قتله ، ولم ؟ لأن اللّه ربّه ، وربّ قريش ، وربّ العالمين قد أرسله بالهدى ودين الحق .
فهل أرادت قتله لأنها لا تريد نبيا ، ولا رسولا يهديها إلى عبادة الأحرار وإيمان الأبرار ، أم أنها شاءت أن تبقى على عبادة الوثنية ، وأن ترتضي العبودية المهينة في نفوسها على أن ترتضي بالدين الذي يدعو إليه محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟ . ولعلّها أرادت عبودية الذل والهوان ، فأبت إلّا أن ترفض دعوة اللّه - عز وجل - وأن تصرّ على قتل محمد والتخلص منه . .
ولذلك جندت كل طاقاتها ، وحشدت كل إمكانياتها في سبيل العثور عليه قبل أن يفلت من يدها . لقد أرسلت القصّاصين في كل ناحية يتلمسون آثاره ، ويتعسّسون أخباره ، ورغم ذلك كله لم تظفر من جهودها بطائل . . .
أجل ، لم تقدّر قريش أبدا أن محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم سيفلت من يديها ، أو أنها يمكن أن تخفق في العثور عليه . ولذلك كان من الطبيعي أن تمنى بهزيمة وخيبة أمل كبيرتين ، بعدما أعياها التعب وظهر فشلها ، دون أن تدرك بأن مانع محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وحاميه هو ربه سبحانه وتعالى الذي أيده بجنود لم يروها .
وإن هذا التأييد الرباني هو الذي جعل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وصاحبه ينعمان بالهدوء والسكينة ، وهما ينتظران في جبل ثور ، حتى تأتي الأخبار من
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 641
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٦٤١