ولكنها لم تكن الحمية ، ولا النخوة ، بل تلك هي مشيئة اللّه العلي القدير ، أن يفتن تلك الجماعة ببعضهم البعض ، فيمتنعوا عن الدخول إلى بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ويبقوا منتظرين حتى مطلع الصباح ، فيكون الوقت متسعا لدى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، لأن يصل إلى المكان الذي ينوي الاختباء فيه ، قبل أن يبدأوا البحث عنه . .
فلما تنفس الصبح وانكشف الظلام ، اقتحم رجال قريش دارة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأسرعوا إلى فراشه ليقتلوه ، ولكن المفاجأة كانت كبيرة عليهم ، عندما رأوا علي بن أبي طالب يثب من الفراش ، ويتصداهم في وجوههم ، وهو يصرخ فيهم قائلا : ما شأنكم يا هؤلاء ؟
قالوا : أين محمد ؟
قال : أجعلتموني عليه رقيبا ؟ ألستم قلتم : نخرجه من بلادنا ؟ فقد خرج عنكم . .
وظنّ رجال الغدر من قريش أنها مؤامرة دبّرها أبو لهب في ليل ، حتى يخلّص ابن أخيه من القتل ، فبعث إليه من يخبره بأمرهم ، ثم راح يدّعي النخوة على النساء والصبيان حتى أمكن لمحمد الهرب . . فهمّوا به يريدون قتله ، ولكنهم عدلوا عن ذلك ، واكتفوا بالإهانات والشتائم التي ترذله ، وهم يقولون له :
- أنت تخدعنا منذ الليل . .
وذاع الخبر في قريش أن محمدا قد ترك مكة دون أن يراه أحد . .
أما النائم في فراشه فقد كان عليّ بن أبي طالب . فأعلن زعماؤها من فورهم أنهم سيدفعون مائة ناقة لمن يردّه عليهم . ثم أعدوا الرجال
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 635
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٦٣٥