أولئك هم أصحاب الشعاب ، الأسياد الذين طردتهم قبيلتهم قريش ظلما وعدوانا .
أما محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، الإنسان البرّ ، العطوف ، الحليم ، فهل كان يمكن أن يعايش المحنة التي أصابت أصحاب الشعب إلّا على أساس أنه رسول اللّه ، والمثال الأعلى للمسلمين ، والقائد الحكيم للناس أجمعين ، وعلى أنه النموذج الذي يحتذى في الصبر والرضى بقضاء اللّه سبحانه وتعالى ، والعمل على رفع كلمة اللّه والدعوة إليها ؟
فماذا كان يفعل ، وهو من عرف عنه طوال حياته ، متميزا بتلك الصفات من الكرم ، والصدق ، والشفقة ، والعطف ، عندما كان يرى كلّ من حوله من أصحابه ومانعيه ، يتحملون ما يتحملون ، ويعانون ما يعانون ؟ . .
إنه كان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يعايش آلامهم فتهون عليه آلامه ، ويرى جوعهم وعطشهم وحرمانهم فتزول من نفسه كل أسباب الجوع والعطش والحرمان . .
يجلس وحيدا حزينا ، متألما ، فيضرع إلى اللّه تبارك وتعالى متوسّلا ، راجيا ، أن يزيل عن هذه الجماعة التي تحيط به كل كرب وضنك ، وأن يخلّصها من تلك المأساة المروعة التي حلّت بها . .
كان يأتي إلى هؤلاء المظلومين ، معتصرا آلامه في نفسه ، مبديا ابتساماته المشرقة ، التي كانت تزيل عنهم الهمّ والألم . . لا يتركهم قطّ ، إلّا لعبادة أو ابتهال ، ثم يقوم بينهم ، مواسيا ، مشجّعا ، مبيّنا مكرمة الصابرين عند اللّه ، وفضائل المعذّبين في سبيل اللّه . . .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 494
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٤٩٤