والنظافة والبعد عن الرجس . . فأيّ بيت ترقى به صفات أهله إلى هذه المدارج من السمو والرفعة لا يكون إلّا بيت كرام ، سادة في الشرف والعزة ! . . .
وظل الرجل يسير إلى جانب فتاه ، وكلّ على صمته حتى دخل به إلى دارة واسعة ، وأنزله في مكان مخصّص للضيوف ، ثم جاءه بالماء والزاد ، وانصرف عنه مودّعا ، وهو يدعو له بالراحة والنوم الهانىء .
وأمضى أبو ذر ليلته وهو يغطّ في نوم عميق ، فما أفاق إلّا مع طلوع الشمس ، وهو يحسّ معه بأمان وارتياح لم يألفهما من قبل . ورأى إلى جانبه طعام الفطور الذي أعدّ له ، فأيقن أنه نزل ، فعلا ، منزلا كريما ، وعند أناس أشراف في المحتد والخلق . . وأكثر شيء استرعى انتباهه هذا الهدوء الذي يخيّم على البيت ، فيبعث في النفس السكينة ، وينسيها مشاغل الدنيا وهمومها . .
وخرج أبو ذر ليمضي نهاره بجوار الكعبة ؛ ولكنّ يومه لم يكن بأحسن من أمسه ، إلّا أنّ ما يثبت في فؤاده من ارتياح يسري بين ضلوعه هو الذي ينسيه القلق والملل من الانتظار . . ومرّ الوقت وجاءه الفتى نفسه في المساء ، ليقول له :
- أما آن للرجل أن يعرف منزله ؟ !
وأمضى أبو ذر ليلة أخرى من النوم العميق ، والراحة التامة ، ليعود في الصباح إلى جوار الكعبة ويجلس مترقبا ، ولكن ليس من جديد . .
وكان يحاذر أن يسأل أحدا ، كما أوصاه أخوه أنيس ، أو أن يكشف أمره لأحد ، حتى لا يفسد عليه غايته . . فلمّا كان المساء ، وجاء الفتى
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 328
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٣٢٨