جوارها يستريح ، قبل أن يبدأ التحرّش بالناس ، واقتناص ما يريد معرفته .
وبينما هو في استراحته تلك إذا برجل مهيب ، مشرق الوجه ، على رأسه عمامة وعلى جسمه بردة ، يأتي ومن ورائه نخبة من الشباب ، تبدو عليهم أمارات النخوة والمروءة ، فيطوفون حول الكعبة ، ثم يجتمعون في حلقة حول هذا الرجل المهيب ، وكأنما يريدون أن يكونوا له سياجا يحمونه بالمهج والأفئدة قبل الأجسام .
إنه ينظر إليهم فيراهم في هذا المشهد الرائع الذي ينمّ عن حبهم الصادق له ، وعن مكانته الكبيرة في نفوسهم . يجلسون من حواليه بأدب واحترام ، وينظرون إليه بودّ وأنس ، ويصغون بكل جارحة من جوارحهم . راح أنيس يرقب ويتأمل ، وفي نفسه إعجاب ودهشة ، فإذا بأحد هؤلاء الشباب يتقدم منه ، ويحييه بالخير والبركة ، ويسأله إن كان يرغب بالانضام إليهم ، والاستماع إلى ما يقوله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
وسأل أنيس : رسول اللّه ؟
قال الشاب : أجل ، إنه محمد بن عبد اللّه ، نبي اللّه ورسوله للناس كافة . فهلّم لتنال اليمن والخير .
فيا لبركة السماء ! لقد جاء أنيس الغفاري يريد أن يستطلع آراء الناس في محمد بن عبد اللّه ، فإذا به أمامه وجها لوجه . فقام على الفور ، وتقدم يحيّي الرجل وجماعته ، ثم يجلس مصغيا ، مثل هؤلاء الشباب .
وأخذ هذا النبي ، يتلو على جماعته آيات قرآنية تنزّلت عليه من ربه تعالى ، ثمّ يبيّن لهم المعاني التي تحملها والأفكار التي يريد ربّ العزة والجلال إيصالها إلى عباده ، لكي تنفعهم في دنياهم وآخرتهم .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 324
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٣٢٤