قد أفلح من زكّاها : عن طريق الإيمان ، والعقل الذي هو إحدى ملكات النفس ، وذلك بالنوايا الحسنة والأعمال الصالحة ، والصفات الحميدة ، والسيرة المستقيمة . .
وقد خاب من دسّاها : عن طريق الكفر واتباع الأهواء التي تغلب على العقل ، والانطواء على النوايا الخبيثة ، والتمرغ في حمأة الأعمال الفاسدة . .
أي أن الخالق الكريم قد ألهم النفس استعدادها للتقوى ، واستعدادها للفجور ، فعرّفها طريق الطاعة والمعصية ، وكلفها وأطلقها وترك لها الخيار لأن التكليف يثبت بالاختيار . ولو شاء اللّه سبحانه وتعالى لسوّى بين الناس بالمنزلة بأن خلقهم جميعا في الجنة ، ولكنه شاء لهم التكليف لاستحقاق الثواب على أعمالهم بفعل الطاعة ، وترك المعصية ، لقوله تعالى :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
« 1 » أي بيّنا له طريق الطاعة وطريق المعصية . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا قرأ هذه الآيات الكريمة :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
( 10 ) يدعو ربّه قائلا : « اللهمّ آت نفسي تقواها أنت وليّها ومولاها ، وزكّها وأنت خير من زكّاها » .
فيكون الإنسان إذن في حقيقته كائنا من جسد وروح ونفس ، والنفس تتكوّن من تداخل الروح بالجسد . . .
ويقينا إن النفس تفارق الجسد أثناء النوم ، وتبقى فيه الروح .
ويكون بين الروح والنفس شعاع كشعاع الشمس ، يربط بين عودة
هامش
( 1 ) سورة البلد ، الآية : 10 .