على أن المرأة قد يغلب عليها الحياء عادة ، فلا تجرؤ على البوح بحبها . ولذا آثرت خديجة أن ترسل صديقتها نفيسة بنت منية إلى محمد ، لتقف منه على رأيه بالزواج ، فإن آنست به ميلا إليه ، أفضت له صراحة بما جاءت لأجله . .
وذهبت نفيسة - مشكورة - في مهمتها ، ولكنها ما إن وقع نظرها عليه حتى تملّكتها رهبة غريبة ، فسكتت . .
وقعت نفيسة في الضيق وهي تقف وجها لوجه أمام إنسان لم تر مثيلا له في حياتها ، لما حباه ربّه من الهيبة والوقار ، إذ أخذها نوع من الرهبة ، فوقفت ساكتة وقد أعياها النطق .
ورأى محمد ارتباك المرأة ، فأشاح بوجهه عنها ، وجعل يلاطفها بما يزيل كل أثر للارتباك أو الحرج من نفسها ، حتى آنس منها بعض الهدوء ، فسألها عن حاجتها ، وما يمكنه أن يفعل لأجلها ، ولكن المرأة ظلّت على صمتها . . فصبر عليها ، بعدما أدرك ما يخالجها ، وترك لها الوقت الكافي حتى تفصح عما جاءت لأجله . وكانت هي الأخرى قد صبرت على نفسها حتى هدأ روعها ، فانبرت تطري صفاته الكريمة ، ومحامده في بني قومه حتى قاطعها ، وطلب إليها أن تكفّ عن ذلك ، لأنه لا يحب أن يطريه الناس ، فتجرأت عندها ، وأبدت عذرها إن تطاولت في كلامها لو سألته إن كان يفكر في الزواج ، أو في ذهنه صورة للمرأة التي يريدها أن تكون شريكة حياته ، بعدما قد بلغ رونق الشباب واكتماله ، مثلما اكتملت فيه السجايا الطيبة والخصال النبيلة ، خاصة وأنّ كل أشراف الناس من قريش ، ومن العرب ، يطمعون في مصاهرته لو أراد .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 209
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٢٠٩