وتعرف آمنة أن هذه المرأة التي دخلت عليها هي حليمة بنت أبي ذؤيب وأنها زوجة الحارث بن عبد العزى من بني سعد بن بكر بن هوازن ، وأنها وإن كانت تبدو امرأة نحيلة فقيرة ، إلّا أن حديثها وكياستها يدلان على أنها إنسانة طيبة ، رؤوفة ، رحيمة . فاطمأنت إليها آمنة وأرسلت في طلب حميها عبد المطلب فجاء ، وأقرّها على أن تحمل حليمة السعدية حفيده ، وهو يقول لهذه المرأة : « أنا جده ، أقوم مقام أبيه ، فإن أردت أن ترضعيه دفعته إليك ، وأعطيتك كفايتك » « 1 » .
فقالت حليمة : واه يا مولاي ، إنه الشرف واللّه لي ولعائلتي أن أرضع ابنك . فإن دفعته إليّ يا سيد قريش فتلك منى القلب ، وسوف أكون خير مرضع ، وخير أم لطفل نبيل ، ابن نبلاء .
وكانت حليمة قد جاءت على أتان قمراء ، هزيلة ، وزوجها على ناقة مسنّة عجفاء ، لا تكاد إحداهما تقوى على السير ، فكانت مرضعات بني سعد تتقدم عليهما مسافات طويلة في الطريق ، وهنّ يرثين لحالهما . . أما الآن والركب عائد إلى مضارب بني سعد ، فإن الحال قد تبدّل ، وتغير كل شيء بالنسبة إلى حليمة وزوجها ، فهما يبدوان سعيدين ، فرحين ، لما نالا وحصلا عليه . وأما هذه الأتان وتلك الناقة فكأن الحياة دبّت فيهما من جديد وهما تقطعان الركب ، وتغذان السير بسرعة أذهلت النساء جميعا ، فكان بعضهنّ ينادي على حليمة قائلا :
- ويحك يا ابنة أبي ذؤيب ، انتظرينا ، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها ؟ !
هامش
( 1 ) البحار جزء 15 ص 373 .