فما دونها اكتفاء بأحد الشيئين عن الآخر على حد قوله
« سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ »
الآية 82 من سورة النحل في ج 2 ، وهذا عبارة عن مثل ضربه اللّه تعالى الدنيا وأهلها ، فإن البعوضة لا تزال حية ما بقيت جائعة ، فمتى شبعت ماتت ، وكذلك أهل الدنيا إذا امتلئوا منها هلكوا ، وتنطبق على أعمال العباد إذ لا يمتنع أن يذكر منها ما قل وكثر وليجازوا عليه ثوابا وعقابا ، راجع الآيتين الأخيرتين من سورة الزلزلة الآتية . وليعلم أن الحياء غير الخجل ومعناه كما مرّ وهو مركب من الجبن والعفّة والخجل حيرة النفس لفرط الحياء ، ولا يكون إلا بعد صدور أمر زائد لا يريده القائم به بخلاف الحياء الذي هو انقباض النفس عن القبائح ، فإنه قد يكون مما لم يقع فيترك لأجله
« فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ »
ضرب المثل بتلك الحيوانات الحقيرة هو
« الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ »
لا يجوز إنكاره ، لأنه من الأمور المستحسنة عقلا المتعارفة عندهم ، ولا مناقشة فيما يذكره اللّه تعالى
« وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا »
والمنافقون وأمثالهم
« فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا »
وهذا من قبل الاعتراض على اللّه تعالى ، وليس لمخلوق أن يعترض على خالقه ، لهذا فإنه تعالى وتقدس
« يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً »
من المكذبين فيزدادون كفرا
« وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً »
من المؤمنين فيزدادون به إيمانا
« وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ 26 »
الخارجين عن طاعة اللّه ورسوله ، المستغربين ما ضرب اللّه به مثلا من تلك الحشرات من حيث لا محل للاستغراب والإمكان ، لأن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى وادناء المتوهم من المشاهد ، فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به كذلك ، وإن كان حقيرا كان المتمثل به حقيرا أيضا ، ألا ترى أن الحق لما كان واضحا جليا مثل له بالضياء والنور ، وان الباطل لما كان غامضا مثل له بالظلمة ، ولما كان حال الآلهة المتخذة للعبادة لا أحقر منها مثل لها ببيت العنكبوت الذي لا أومن منه ، تأمل . ثمّ وصف اللّه تعالى هؤلاء الفاسقين بقوله عز قوله
« الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ »
الذي أخذه عليهم في عالم الذر ، وهو الإقرار بربوبيته كما مرّ في الآية 170 من الأعراف في ج 1 ، وهو غير العهد الذي أخذه على الأنبياء بتصديق محمد صلّى اللّه عليه وسلم في الآية 7 من سورة الأحزاب الآتية ،