ثم بين تلك الأيام التي ذكرنا أنها تحتاج إلى التبيين بقوله جل قوله
« شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ »
جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ، وهذا من التدريج أحد أنواع البديع إذ لم يذكر نزوله في هذه الآية ليلا أم نهارا ، ثم أنزل قوله تعالى
( فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ )
أول سورة حم الدخان في ج 2 ولم يذكر أي ليلة هي فأنزل اللّه
( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ )
هكذا ذكر الإمام الغزالي في إحيائه . على أن نزول سورة القدر قبل نزول حم الدخان ، ونزولهما في مكة ، والآية التي نحن بصددها نزلت في المدينة بعد سنين ، فلا يتجه هذا بحسب النزول ، أما على ترتيب القرآن فلا قول فيه ، تأمل . ومن كرامة هذا الشهر على اللّه أنه أنزل فيه الكتب السماوية كلها ، روى أبو داود أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : أنزلت صحف إبراهيم لثلاث ليال مضين من رمضان ، وأنزلت توراة موسى لست ليال من رمضان ، وأنزل إنجيل عيسى لثلاث عشرة مضين من رمضان ، وأنزل زبور داود لاثنتي عشرة ليلة من رمضان ، وأنزل القرآن في الرابعة والعشرين لست بقين من رمضان ، وتقدم أنه أنزل في السابعة عشرة أو العشرين منه كما أوضحناه في المقدمة في بحث نزول القرآن ، فيكون المراد من إنزاله في الرابعة والعشرين هو إنزاله جملة واحدة إلى بيت العزة في سماء الدنيا ، ثم بدأ بإنزاله على حضرة الرسول في السابعة والعشرين ، راجع المقدمة تقف على أصح ما جاء في هذا ،
« هُدىً لِلنَّاسِ »
هو نفسه هدى على الإجمال
« وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ »
على التفصيل للحلال والحرام والحدود والأحكام
« فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ »
وكان حاضرا مقيما غير معذور
« فَلْيَصُمْهُ »
وجوبا
« وَمَنْ كانَ »
حين هل الشهر أو قبله
« مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ »
وجوبا
« مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ »
يصومها بدلها حال إقامته وشفائه
« يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ »
أيها الناس
« الْيُسْرَ »
فيرخص لكم الإفطار في المرض والسفر والعجز
« وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ »
فيشدد عليكم بما لا تقدرون عليه ولا تستطيعونه لأن الدين يسر
« وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ »
لأيام الشهر كله أداء وقضاء
« وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ »
لصيامه وإكماله ، إذ قدركم عليه
« وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
( 185 ) ربكم الذي