فكل شك جهل وليس كل جهل شكا ، فإذا قيل فلان شك في هذا الأمر فمعناه توقف فيه حتى يتبين له فيه الصواب أو خلافه ، وظاهر هذا الخطاب لسيد المخاطبين محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولكن المراد به غيره على حد قوله تعالى
( وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ )
الآية 81 من سورة القصص المارة في ج 1 ومثلها الآية 65 من سورة الزمر الآتية وما يشابهما من الآيات ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم لا يصده صاد عن آيات ربه ، فثبت أن المراد غيره بمعنى إياك أعني واسمعي بإجارة ، فيكون المعنى قل أيها الإنسان إن كنت في شك مما أنزل علي فاسأل أهل الكتاب يخبرونك بصدقه ، يدل على هذا قوله تعالى آخر هذه السورة
( قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي )
فلا يقال والعياذ باللّه تعالى أن الرسول شاكّ في نبوته أو فيما أنزل عليه ، حاشا ثم حاشا ، لأنه يوجب سقوط الشريعة معاذ الله ، ولكان غيره بالشك أولى ؛ وهو لا يجوز البتة ، قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة لم يشك النبي صلى اللّه عليه وسلم قط ولم يسأل ، إذ قال لا أشك ولا أسأل ، وعامة المفسرين على هذا ، فاحذر ثبت اللّه قلبك أن يخطر ببالك ما ذكره بعض المفسرين من ذكر الشك والصاقه بحضرة الرسول بداعي أنه من البشر ، فإنه لا يجوز أصلا ، نعم إنه بشر ولكنه قال مرارا إني لست كأحدكم ، وعبر قول الناظم :
محمد بشر وليس كالبشر * بل هو جوهرة والناس كالحجر
وفي هذه الآية تنبيه على أن من خالجته شبهة في أمر دينه فليراجع من يزيلها عنه من أهل العلم وليسارع إلى ذلك ، قال تعالى
( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) *
الآية 44 من سورة النحل الآتية ولا يعتمد على علمه ، فكم زل عالم ، وليعلم أن الاعتماد على النفس غرور وخيلاء وليتأمل قوله تعالى
( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ )
الآية 76 من سورة يوسف الآتية ليدفع عن قلبه ما طرأ له بالبرهان من قوانين الدين وأدلته ومباحث العلماء العارفين فيه ، وبما أن هذه الآية مدنية والآيتين اللتين بعدها كذلك ، فإن المراد بالذين يقرءون الكتاب واللّه أعلم هم عبد اللّه بن سلام وأصحابه الموثوق بأخبارهم ، ولا يخفى أن منطوق الآية عام شامل لمؤمنهم وكافرهم ، لأن القصد في هذا الإخبار بصحة هذه القصص ، والإخبار