تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
لهم وقد عمم اللّه هذا الخطاب ، لأن العبادة عامة وواجبة على العامة ، وخصص أوله بموسى وأخيه لأن الأمر باتخاذ بيوت العبادة من خصائص الأنبياء لأنهم هم المشرعون لغيرهم ، وقيل المراد من قوله
« قِبْلَةً »
أي اجعلوها متقابلة وليس بشيء على أن ظاهر القرآن لا يدل على المعنى المراد في هذه اللفظة لأن اليهود تستقبل صخرة بيت المقدس ، والنصارى مطلع الشمس ، ولا يبعد أن تشمل هذه اللفظة الأمر بأن يجعلوا بيوتهم قبلة لروّادها من الضيفان والزوّار وجعلها مأوى لكل فقير ومسكين ومقطوع يستقبلون فيها العاني وذا الحاجة وغيرهم ، لأن هذا من جملة ما حث عليه الشارع ومن مكارم الأخلاق واللّه أعلم
« وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ »
في تلك البيوت على المعنى الجاري في التفسير
« وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
87 » بك يا موسى فإنه لا يصيبهم أذى الكفرة ولا ينالهم مكروه منهم
« وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا »
من كل ما يتزين به الناس من اللباس والحلي والمراكب والمساكن ونحوها
« فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ »
الناس ويميلوهم عن طاعتك ويصرفوهم عن هداك ، وكرر لفظ ربنا للالحاح في التضرع ، واللّه تعالى يحب الملحين في الدعاء واللام في ليضلوا مثل اللام في قوله تعالى
« لِيَزْدادُوا إِثْماً »
الآية 78 من آل عمران في ج 3 في اللفظ والمعنى وهذه حجة على المعتزلة لأنهم لا ينسبون ما لا يليق فعله إلى الخالق ، واللّه تعالى يقول ليضلوا وليزدادوا ، إذ لا يكون شيء خيرا كان أو شرا إلا بإرادته وقضائه وقدره ، راجع الآية 59 المارة من هذه السورة . واعلم بأن هذه اللام للتعليل مجازا لا حقيقة ، لأن اللّه تعالى آتاهم ما آتاهم ليؤمنوا به ويشكروه فتوسلوا بها إلى البغي والطغيان ، وتوصلوا بها إلى الكفر والخسران ، فأشبهت حالهم حال من أعطى المال لأجل الإضلال فورد الكلام بلفظ التعليل بناء على هذه المشابهة وقال بعض المفسرين إن اللام هذه للعاقبة أي تكون عاقبة أمرهم الإضلال عن الحق . وقيل في هذا المعنى :
وأموالنا لذوي الميراث نجمعها * ودورنا لخراب الدهر نبنيها
أي أن عاقبة المال والدور تكون كذلك .