القضاة الذي لا يبالي بأحد ولا يراعي أحدا
« إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
17 » يحاسب الخلق كلهم بآن واحد محاسبة شخص واحد ، لا يشغله حساب أحد عن غيره ولا يلهينه جزاء واحد عن الآخر ، كما لا يشغله شأن عن شأن . انتهى خطاب اللّه لخلقه الذي سيخاطبهم به في الآخرة ، وقد أعلمهم به الآن ليكونوا على بصيرة من أمرهم فيتفوه ويحذروه ويخافوه . ثم التفت إلى حبيبه محمد صلّى اللّه عليه وسلم فقال
« وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ »
القيامة سميت آزفة لقرب وقتها ، لأنها لا شك آتية وكل آت قريب ، ولا يبعد على اللّه شيء قال الشاعر :
أزف الرحيل غير أن ركابنا * لما تزل برحالنا وكأن قد
أي لا تستبعدوها أيها الناس ، فإنها مباغتتكم وسترون من شدة هولها
« إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ »
تصعد قلوبهم إلى حناجرهم من شدة الفزع وكثرة الوجل فتكون في تراقيهم لا تعود لأماكنها فيستريحوا ولا تخرج من أفواههم فيموتوا حال كونهم
« كاظِمِينَ »
مكروبين ممسكين أنفسهم على قلوبهم ممتلئين خوفا وجزعا ، لأن في ذلك اليوم
« ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ »
صديق شفوق أو قريب ودود أو حبيب رؤوف يميلون إليه ، ولا يقدر أحد أن يحميهم ولو بكلام
« وَلا شَفِيعٍ »
لهم في ذلك اليوم
« يُطاعُ »
قوله أو يسمع كلامه لأن شفعاء الكفرة أوثان مهانة لا شفاعة لها وأنها قد تتبرأ منهم وتنكر عبادتهم لها ، وقد يأتي يطاع بمعنى يجاب قال الشاعر :
رب من أنضجت غيظا قلبه * قد تمنى لي موتا لم يطع
وعليه يكون المعنى ما لهم شفيع يجاب طلبه ، أي أن لهم أصدقاء وشفعاء ولكن لا يجاب طلبهم ، وفي تلك الساعة شفعاء المؤمنين أيضا لا يقدرون أن يشفعوا إلا لمن يأذن لهم بشفاعته ، فلا يتكلمون بالشفاعة لأحد إلا بإذنه ولمن يرتضيه سواء كانوا أنبياء أو أولياء أو شهداء أو أصدقاء وأقرباء صلحاء ، فالكل إذ ذاك سكوت لا يقبل قول ولا يسمع كلام ، إلا أن المؤمنين لهم أمل بالشفاعة من هؤلاء الكرام على اللّه تعالى وهو لا يخيب أملهم ، أما الكافرون فلا أمل لهم البتة ، لأن اللّه يهين أوثانهم التي كانوا يأملون شفاعتها ، فتتقطع أفئدتهم أسفا وأسى وحزنا .