تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
الآتية لسيئ استعداده على قبول الضلال وعدم استعداده لقبول الهدى ختم عليه بذلك لأنه خلقه كذلك . قال تعالى
( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ )
الآية 7 من الشورى الآتية وهذا من الأزل ، لأنه حينما خلق الخلق قال هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : كل ميسر لما خلق له
( لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
فهو
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ )
الآية 7 من سورة السجدة الآتية ، وهو الذي لا يسأل عما يفعل . قال تعالى
« لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً »
كما يزعمون ، تعالى عن ذلك
« لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ »
لا منازع له ولا معارض ولكنه لم يرد فامتنع أن يقال اتخذ ولدا
« سُبْحانَهُ »
تنزه عن ذلك وتقدس عما لا يليق به
« هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ »
في ملكه المبرأ عن انضمام الأعداد والمتعالي عن التجزي والولاد
« الْقَهَّارُ
4 » لكل شيء المحتاج إليه كل شيء ، وهذه مسوقة لتحقيق الحق الذي هو تنزيهه جل شأنه عن ذلك وإبطال القول بأن الملائكة بناته ، ويدخل فيه ما نسبه أهل الكتابين من بنوّة عيسى وعزير عليهما السلام مضاهاة للعرب الذين نسبوا بنوة الملائكة إليه ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا وتقدس تقديسا عظيما ببيان استحالة اتخاذ الولد في حقه على الإطلاق ليندرج فيه استحالة ما قيل اندراجا أوليا ، ومن هذا الباب نعم العبد صهيب لو لم يخف اللّه لم يعصه مطلقا ، وحاصل معنى الآية واللّه أعلم : لو أراد سبحانه اتخاذ الولد لامتنعت تلك الإرادة لتعلقها بالممتنع أعني الاتخاذ . لكن لا يجوز على الباري إرادة ممتنعة لأنها ترجح بعض المكنات على بعض ، وأصل الكلام لو اتخذ الولد لامتنع لاستلزامه ما ينافي الإلهية فعدل إلى لو أراد الاتخاذ لامتنع أن يريده ليكون أبلغ وأبلغ ، ثم حذف هذا الجواب وجيء بدله
( لَاصْطَفى )
تنبيها على أن الممكن هذا لا الأول وأنه لو كان هذا من اتخاذ الولد في شيء لجاز اتخاذ الولد عليه سبحانه تنزه عن ذلك ، فقد تحقق التلازم وحق نفي اللازم واثبات الملزوم دون صعوبة . واعلم أن اتخاذ الولد يقتضي التبعيض وانفصال شيء من شيء ويقتضي المماثلة أيضا بين الولد والوالد ، هذا وإن الوحدة الذاتية الحقيقية التي هي في أعلى مراتب الوحدة الواجبة له تعالى بالبراهين القطعية العقلية تأبى التبعيض والانفصال إباء ظاهرا لأنهما من خواطى الحكم ، وقد اعتبر في مفهوم الوحدة الذاتية