تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
وهذا التكذيب ليس هو في قولهم
( لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا )
لأنه قول حق وصدق إذ لا يقع شيء إلا بإرادته ومشيئته بل هو في قولهم
( وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها )
ورضي ما نحن عليه كما أخبر عنهم في سورة الأعراف الآية 28 في ج 1 ، فردّ اللّه عليهم بقوله
( إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ )
ثم جهلهم وأنّبهم إذ ختم الآية بقوله
( أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ )
والدليل على التكذيب هو في قولهم
( وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها )
ورضيه منا لا في قولهم
( لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا )
ولهذا صار قوله تعالى
( كَذلِكَ كَذَّبَ )
بتشديد الفعل ولو كان إخبارا عنهم بالكذب في قوله
( لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا )
لقال كذب بالتخفيف بأن ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب ولو أنهم قالوا هذه المقالة تعظيما للّه وإجلالا لحضرته ومعرفة بحقه وبما يقولون لما عاب اللّه عليهم قولهم ذلك ، ولكنهم قالوها تكذيبا وجدلا من غير معرفة باللّه وبما يقولون ، وعليه فلا دلالة إذا في هذه الآية الكريمة لمذهب القدرية والمعتزلة ، ولا يتجه تأويلهم إياها على رأيهم بخلاف ما هي عليه من قولهم إنّ الكفار لما قالوا
( لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا )
كذبهم اللّه ورد عليهم بقوله
( كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ )
كما مر تفصيله ، وأيضا فإن اللّه تعالى حكى عن هؤلاء القوم مذهب الجبرية القائلين لو شاء اللّه منا أن لا نشرك لم نشرك ولمنعنا من الشرك ، وإذ لم يمنعنا عنه ثبت أنه مريد له وإذ أراده منا امتنع تركه لنا إذ لا يقع في ملكه إلا ما يريد ، والجواب عن زعمهم هذا ما قدمناه في الآية 98 من سورة يونس ، والآية 118 من سورة هود المارتين لأن أمر اللّه تعالى بمعزل عن مشيئته وإرادته لأنه مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريده ، فعلى العبد أن يتبع أمره الذي أمر به على لسان رسله وليس له أن يتعلق بمشيئته التي لا يعلمها ، فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد عليه في فعله ، فهو جل شأنه يشاء الكفر من الكافر ولا يرضى به ولا يأمر به ، قال تعالى
( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ )
الآية 7 من سورة الزمر الآتية ، ومع هذا فإنه يبعث الرسل إلى عباده يأمرهم بالإيمان مع إرادته الكفر منهم ، وإنك أيها الإنسان قد تأمر عبدك أحيانا بشيء لا تريده