تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
الأذهان أن ليس بشيء أقبح من الشيطان ولم يره أحد أيضا ، أي بصورتهما الحقيقية وعليه قول بعض المحدثين :
ترك إذا قوبلوا كانوا ملائكة * حسنا وإن قوتلوا كانوا شياطينا
ولا سيما وقد انضم لذلك الجمال الرائق نور النبوة وآثار خضوعها واخباتها لرافع السماء وباسط الأرض من الحالة التي أوقعته فيها مما زاده مهابة ووقارا ، فلا غرو أن يصيبهن الدهش والذهول فيصرعهن ويصرف نظرهن عما في أيديهن من الأترج إلى أيديهن ، فيغفلن عنه ويقطعن أيديهن بدله ، ولم يشعرن بما عملن لأن طلعته البهية ألهبت في قلوبهن ما يمنعهن من الإحساس بألم الموسى ، وانهماك انسان أعينهن في التطلع إليه حال دون رؤية الدماء التي سالت من أيديهن على ثيابهن ، فلما رأت زليخا ما صنعن بأنفسهن وعلمت أنهن قد أعذرنها بما فعلت ، ولو أنهن شاهدنه قبل مثلها واختلطن معه اختلاطها لما لمنها ، لأنهن رأينه لحظة فوقع منهن ما وقع ، فكيف وهي معه ليل نهار ، لهذا تسلطت عليهن و
« قالَتْ فَذلِكُنَّ »
العبد الذي تتقولن وتتفوهن فيه ، والفتى
« الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ »
ثم صرحت أمامهن بما وقع منها فقالت مقسمة
« وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ »
امتنع وأبى ، والاستعصام مبالغة في الامتناع والتحفظ الشديدين ، ثم أقسمت ثانيا فقالت
« وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ »
به من الوقاع واللّه واللّه واللّه
« لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ
32 » الأذلاء المهانين مع السراق والسفاك في السجن ، قالت ذلك لأنها علمت مما شاهدته من دهشتهنّ به انهن لا يلمنها بعد بل يعذرنها ، قالوا ثم قال النساء كلهن يا يوسف أطع مولاتك لئلا تسجن ، فلم يصغ لهن وانصرف عنهن قائلا
« رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ »
أضاف الضمير إليهن كلهن مع أن مولاته وحدها تدعوه لأنهن أمرنه بامتثال أمرها بالفعل ، فناجى ربه عزّ وجل ملتجئا إليه وآثر السجن لأن مشقته نافذة طلبا إلى راحته الأبدية برضاء اللّه تعالى ، ومن هنا قالوا يختار أهون الشرين ، وقد جاء في الخبر أنه عليه السلام لما قال هذا أوحى اللّه إليه يا يوسف أنت جنيت على نفسك ولو قلت العافية أحب إلي لعوفيت ، ولهذا قال محمد صلّى اللّه عليه وسلم لما سمع رجلا يقول اللهم إني أسألك