ذبح سخلة ولطخوا ثوبه بدمها ليعرضوه إلى أبيهم علامة على صدقهم المموّه قال تعالى
« وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً »
تأخروا عن موعدهم كل يوم تبريرا لعذرهم وصاروا
« يَبْكُونَ
16 » بأعلى صوتهم عندما دخلوا الدار ، فقال لهم يعقوب ما لكم هل أصاب أغنامكم شيء ؟ قالوا لا وإنما أصابنا ما هو أعظم ، فأحسّ هنالك وقال أين يوسف
« قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ »
في العدو والرمي في البادية
« وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا »
ثيابنا وزهابنا
« فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ »
حال غفلتنا عنه
« وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا »
ونعلم أنك لا تصدقنا بهذا
« وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ
17 » حقيقة فيما ذكرناه لك من واقع الحال لشدة محبتك له بل قد تتهمنا بالكذب ، وقد تقدموا له بعدم تصديقهم لأنهم كاذبون مختلقون ما قالوه ، وقالوا له إن الدليل على صدقنا هو هذا المحكي عنهم بقوله تعالى
« وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ »
دم سخلة ، ومما يثبت كذبهم أن القميص غير ممزق ولا يعقل أن ذئبا يأكل إنسانا وهو لابس قميصه ولا يمزقه ، كما لا يعقل أنه نزع عنه القميص ثم أكله ، لذلك كذبهم
« قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً »
عظيما أوقعتموه بيوسف ، فاذكروا إلي ما هو حقا ، قالوا لا غير ذلك ، وأنكروا عليه أمره وأصروا على أقوالهم ، فأعرض عنهم وقال
« فَصَبْرٌ جَمِيلٌ »
لا شكوى فيه إلا إلى اللّه ، ولا جزع ولا تحدث بالمصاب لغيره ، ولا تزكية للنفس
« وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ »
به على ما أنا عليه لا أطلب العون من غيره
« عَلى ما تَصِفُونَ
18 » من الكذب في أمر يوسف ، قال هذا إظهارا للتجلد وعزما على الصبر ، وتفويضا لأمر اللّه ، قال ابن الفارض :
ويحسن إظهار التجلد للعدى * ويقبح غير العجز عند الأحبة
أي لا يحسن إظهار التجلد والصبر على صدمات الدهر مطلقا ، بل يحسن للأعادي ، أما عند الأحبة فيحسن العجز ، لأن إظهار التجلد عندهم قبيح جدا ، قال سحنون يخاطب ربه :
وليس لي في سواك حظ * فكيفما شئت فاختبرني
قالوا فابتلاه اللّه تعالى بحصر البول ، فاعترف بعجزه ، فصار يطوف بسكك