« فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ 175 »
بعد أن كان من المهتدين الراشدين ، قال تعالى
« وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها »
بتلك الآيات التي علمها إلى منازل الأبرار ومراتب الأخيار
« وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ »
ركن ومال ملازما
« إِلَى الْأَرْضِ »
أي الدنيا رغبة بملاذّها ، ونزولا لشهواتها الوضيعة ، وأصل الإخلاد اللزوم للمكان من الخلود ، ولما في ذلك من الميل فسّر به كما فسرت الأرض بالدنيا لأنها حاوية لشهواتها ، وبالطلب منها أنه يخلد إليها فخلد
« وَاتَّبَعَ هَواهُ »
بإيثار الدنيا على الآخرة
« فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ »
بالخساسة والدناءة لأنه يرجع من قيئه ويأكل القذرة والجيفة أحب إليه من اللحم الغريفي ، قال الإمام الشافعي رحمه اللّه :
ليت الكلاب لنا كانت مجاورة * وليتنا ما نرى مما نرى أحدا
إن الكلاب لتهدأ في مرابضها * والناس ليس بهاد شرهم أبدا
وقال الفقيه منصور في شعب الإيمان :
الكلب أحسن عشرة * وهو النهاية في الخساسة
ممّن ينازع في الريا * سة قبل أوقات الرئاسة
والكلب المضروب به المثل
« إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ »
لتزجره أيها الإنسان وتشد عليه وتطرده
« يَلْهَثْ »
يدلع لسانه بالنفس الشديد ، وهو طبع في الكلب لأنه لا يقدر لنقص الهواء المتسخّن وجلب الهواء البارد بسهولة لضعف قلبه وانقطاع فؤاده ، بخلاف سائر الحيوانات فإنها لا تحتاج إلى النفس الشديد ولا يلحقها الكرب والمضايقة إلا عند التعب والإعياء
« أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ »
فاللهث غريزة فيه لا تنقيد في حال التعب والعطش وشدة الحر ، إلا أن الحالة تزداد معه فيها
« ذلِكَ »
المثل الذي ضربه اللّه عزّ وجل لعباده فيمن آتاه الحكمة وتركها وعدل عنها فترك آخرته وآثر دنياه في الخسة والضعة ، بأخس الحيوانات في أحسن أحواله ، لأن الكلب حال لهثه لا يقدر على نفع نفسه وهذا هو
« مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا »
أي مثل العالم الذي اتبع هواه لا يقدر على نفع نفسه ، لأن الحريص على الدنيا إذا وعظته لا ينجع به وإن لم تعظه ، فهو باق على حرصه فصار الحرص على الدنيا