پرش به محتوای اصلی

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحه 87

پدیدآورندگان:

ص۸۷
التطويل لنقلت كلامه بحروفه . سبحان اللّه ! كيف ساغ لقوم مسلمين أن يعتقدوا بمثل هذه الروايات ، وقد علموا أنه اللّه لم يدع لنبيّه أن يعرض عن أبن أم مكتوم ، ويتصدى لصناديد قريش طمعا في إسلامهم ، حتى عاتبه على ذلك في قوله :
عَبَسَ وَتَوَلَّى
[ عبس : 1 ] ، إلى آخر الآيات ، مع أن لم ينصرف عن الأعمى إلا لاشتغاله بما كان يعدّه في نفسه خيرا للدين ، ولم يكن رغبة في جاه ، ولا شرها إلى مال ، ولا طموحا إلى لذة . فلو صحّت الرواية التي زعموها في شأن زينب ، لكان العتاب على تلك التسبيحة ، بمسمع من زينب ، ثم على الزواج بعد الطلاق ، كما أشار إليه في قصة داود عليه السلام . وما كان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في علوّ مقامه ورفعة منزلته من النبوّة ، لتطمح نفسه إلى التلذذ ببنت عمته وزوجة مولاه ، ولا أن يسمعها ما يدل على شغفه بها ، ولا أن تضعف عزيمته عن قمع شهوته وكبح جماحها . وما كان رب محمد يعلّل شهوته ، ويرفّه من هواه فيما يخالف أمره ، وهو الذي نهاه أن يمد عينيه إلى ما متع به الناس من زهرة الحياة الدنيا ، ومن زهرتها النساء . تسامى قدر محمد عن ذلك ، وتعالى شأن ربه عن هذا علوّا كبيرا . أما واللّه ! لولا ما أدخل الضعفاء أو المدلّسون من مثل هذه الرواية ، ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة شيء مما يرمون إليه . فإن نص الآية ظاهر جليّ لا يحتمل معناه التأويل ، ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر ، والتريث به . وأن الذي كان يخفيه في نفسه هو ذلك الأمر الإلهيّ الصادر إليه ، بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب ، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه . كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة عند فتح مكة . وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم . وهذا الذي كان يخفيه في نفسه كان اللّه مبديه بأمره الذي أوحاه إليه في كتابه ، وبتزويجه زوجة من كانوا يدعونه ابنا له ، كما تقدم بيانه . ولم يكن يمنعه عن إبداء ما أبدى اللّه ، إلا حياء الكريم ، وتؤدة الحكيم ، مع العلم بأنه سيفعل لا محالة ، لكن مع معاونة الزمان . ثم قال الإمام رحمه اللّه : أذكر لطيفة لبعض الأذكياء جرت بمحضر مني لدي أحد الأساتذة الأميركانيين ، فجاء في الحديث ذكر قوله تعالى :
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
[ السجدة : 7 ] ، فقال الأميركي : حتى زينب زوجة زيد بن حارثة . يشير بقوله هذا إلى تلك الحادثة ، ويعرض بعشقه صلّى اللّه عليه وسلّم لزينب على ما زعموا ، فقال له صاحبي : سبحان اللّه ! إنكم تشتغلون بعلوم السماوات والأرض ، ولا تستعملون عقولكم في أقرب الأشياء إليكم . مع أنكم ، في المشهور عنكم ، من أشدّ الناس ولعا بالبحث في الأديان . إن اللّه أمر نبيه أن يتزوج زوجة من دعاه ابنا له ، ليبيّن للناس